كَلامُنا لَفْظٌ مفيدٌ كاسْتَقِمْ ... واسمٌ، وفِعْلٌ، ثُمَّ حَرْفٌ الكَلِمْ
ولذلك قال ابن عقيل (769 هـ) في شرحه: «وإنّما قال المُصَنِّفُ: (كلامُنا) ، ليُعْلَم أنَّ التّعريفَ إنّما هو للكلامِ في اصطلاحِ النّحويينَ، لا في اصطلاح اللّغويّينَ. وهو في اللُّغة: اسمٌ لكلّ ما يُتَكَلَّمُ بِهِ؛ مفيدًا كانَ أو غيرَ مفيد.» [1] .
وقد بَيَّنَ الرّضيُّ (686 هـ) المراحلَ التّطوريّةَ التي مَرَّ بها لفظ (الكَلاَم) ؛ فذكر أنَّهُ وَضِعَ لِجِنْسِ ما يُتَكَلَّمُ بِهِ، سواءٌ أكانَ كلمةً على حَرْفٍ كواوِ العطف، أم على أكثَرَ، أم كانَ أكثرَ من كلمة، وسواءٌ أكان مُهْمَلًا أم لا. ثم ذَكَرَ الرّضيّ أنَّ (الكلام) اشتهَرَ لغةً في المركّب من حَرْفينِ فصاعدًا، ثم اختصّ في اصطلاح النّحاة بأنَّهُ ما تضَمَّنَ كلمتينِ بالإسناد في اسمين، أو في فعل واسم [2] .
أمَّا ما ذَكَرَهُ القرافيّ من احتجاج بعض النّحويّينَ باشتقاق (الكَلامِ) من (الكِلام) على صلاحيّة التفسيرَيْنِ للمسمّى اللُّغويّ، فقد وَجدتُ خِلافَهُ عند الكثير من النّحويّين؛ إذ رَأيْتُهُم يحتجّونَ بالاشتقاق المذكور على صحّة التّعريف الاصطلاحيّ للكلام فقط؛ فقد ذَكَرَ أبو البقاء العكبريّ (616 هـ) من أوْجُهِ ترجيحِ أنَّ الكلامََ عبارةٌ عن الجملة المفيدة فائدةً يَسوغُ السكوتُ عليها: أنَّ الكلامَ «مشتقّ مِن (الكَلْم) ، وهو الجُرح، والجُرْحُ مُؤَثِّرٌ في نَفْسِ المجروح، فيَلْزَمُ أن يكونَ الكلامُ مؤثِّرًا في نفس السّامع» [3] ، وزادَ ابنُ يعيشَ (643 هـ) هذا المعنى إيضاحًا بقوله: «إنَّ اشتقاق (الكَلام) من (الكَلْم) ، وهو الجُرْح؛ كأنَّهُ لشدّةِ تأثيرهِ ونفوذِهِ في الأنْفُسِ كالجُرح؛ لأنَّه إن كان حَسَنًا أثَّر سرورًا في الأنْفُس، وإن كان قبيحًا أثَّرَ حُزنًا، مع أنَّهُ في غالِب الأمْرِ يَنْزع إلى الشَّرِّ، ويدعو إليه ... ، وغيرُ المفيد لا تأثيرَ له في النَّفس.» [4] .
وأمَّا ما اعترضَ به القرافيّ على تعريف الرّازيّ الاصطلاحيّ للكلمة بأنّها (كلّ منطوقٍ به دَلَّ بالاصطلاح على معنًى) ، فلا غبارَ عليه؛ إذ إنَّهُ تعريفٌ غيرُ مانعٍ، يَدْخُلُ فيه الكلام الاصطلاحيّ. ولذلك كان النّحويّونَ أكثرَ توفيقًا عندما عرّفوا
(1) شرح ابن عقيل على ألفيّة ابن مالك: 1/ 13 - 15.
(2) ينظر: شرح الرّضيِّ على كافية ابن الحاجب: 1/ 5 - 17.
(3) اللُّباب في علل البناء والإعراب: 1/ 41.
(4) شرح المُفصّل: 1/ 76 - 77.