قال القرافيّ: «قال الشّيخُ ابنُ عمرون: لا يوصَف بـ (خلا) و (عدا) النّكرات، كما وُصِفَ بـ (ليس) و (لا يكون) ؛ لا تقولُ: أتَتْني امرأةٌ خَلَتْ هندًا، وعَدَتْ زينبَ. والفرقُ بين البابين أنَّ (ليس) و (لا يكون) لفظهما جَحْدٌ، فخالَفَ ما بعدَهُما ما قَبْلَهما، فجريا في ذلك مجرى (غير) ، فوُصِفَ بهما كما يوصَف بـ (غير) ، بخلاف (عدا) و (خلا) ؛ فإنّهما إنّما استُثْنيَ بهما على التأويل لا أنَّهما جَحْدٌ، بل لَمّا كان معناهما المجاوزةَ والخروجَ استُثْنِيَ بهما، فلم يجريا مجرى (غير) .» [1] .
قال القرافيّ: «قال [2] : (لا يُنْسَق على حروف الاستثناء بـ(لا) ؛ فلا تقول: قامَ القومُ ليسَ زيدًا ولا عمرًا، ولا: قامَ القومُ غيرَ زيدٍ ولا عمرٍو. والنّفي في جميع العربيّة يُنْسَق عليه بـ (لا) إلاّ في الاستثناء). قلتُ: الفرقُ بين الاستثناءِ وغيرِهِ: أنَّ النّفيَ في غير الاستثناء أصلٌ، ويَقْوى العطف عليه بالألفاظ الصّريحة؛ فإنَّ (لا) العاطفةَ صريحةٌ في النّفي، وتدلّ عليه مطابقةً إجماعًا، والمعطوف فرع عن المعطوف عليه، فإذا كان المعطوف عليه صريحًا في النّفي عُطِفَ عليه بما هو صريح في النّفي، فلم يكن الفرعُ أقوى من الأصل، أمَّا النَّفْيُ في الاستثناء إنَّما هو بطريق المفهوم واللّزوم، ولذلك قال الحنفيّة: الاستثناءُ من الإيجاب ليس نفيًا، بل (زيد) مسكوتٌ عنه في قَولك: قام القومُ إلاّ زيدًا، فلمّا ضعف النّفي لعدم الصّراحة امتنعَ العطفُ عليه بالصّريح، لأنَّ المعطوفَ تَبَعٌ وفَرْعٌ، والتَّبَعُ والفَرْعُ لا يكونُ أقوى من أصله.» [3] .
ونَقَلَ القرافيّ في موضع آخر - تفريعًا على هذه القاعدة - عن بعض أهل العلم عدمَ جواز: ما هو إلاّ درهمٌ لا دينارٌ، وجوازَ: إنّما هو درهمٌ لا دينارٌ [4] .
(1) الاستغناء في أحكام الاستثناء (في أدوات الاستثناء) : 114 - 115. وينظر: الاستغناء في أحكام الاستثناء: 120 - 121.
(2) أي ابن السّرّاج.
(3) الاستغناء في أحكام الاستثناء (في اجتماع أداتين من أدوات الاستثناء) : 143.
(4) ينظر: الاستغناء في أحكام الاستثناء (في العطف على المستثنى) : 202.