فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 462

ونَقَلَ القرافيُّ إجابةَ بعضهم عن ذلك بأنَّ «قاعدة العرب أنَّها إذا تَرَكَتْ قاعدةً وأعْرَضَتْ عنها، لا ترجع إليها، بدليل أنَّهُ لا يجوز أن تقول: رأيتُ زيدًا الفقيهُ الفاضِلَ؛ برفعِ (الفقيه) على أنَّهُ خبر مبتدأ، ونصب (الفاضل) على أنَّهُ نعت لـ (زيد) ... فكذلك هنا، لمّا قلتَ: ما هو إلاّ درهم لا دينار، فقد قدّمْتَ النّفي بـ (ما) ، ثمّ استثنيتَ بـ (إلاّ) الدّرهَم، فهو مُثْبَت، وعُطِفَ عليه الدّينارُ بـ (لا) ، والعطفُ بـ (لا) يقتضي إخراج الثّاني ممّا دخل فيه الأوّل، والأوّل إيجاب والثّاني نفي، فقد عاودتَ النّفيَ في الدّينار بعد مفارقة النّفي بالاستثناء، وهو لا يجوز للقاعدة المتقدّمة» [1] .

ورَدَّ القرافيّ هذا التّعليلَ بأنَّهُ «من إثباتِ الدّعوى العامّة بالدّليل الخاصّ، وهو غيرُ معتبر إجماعًا؛ فلو قال القائل: ... كلّ لحم حرامٌ، لأنَّ لحم الخنزير حرامٌ، بَطل هذا الاستدلال» [2] ؛ «لأنَّ الدعوى - وهي حرمة كلّ لحم - عامّةٌ، وأمَّا الدّليل - وهو حرمة لحم الخنزير - فخاصّ، لا يتجاوز لحم الخنزير، فالاستدلال بمثل هذا الدّليل باطل، وكذلك هنا؛ فإنَّ دعوى عدم رجوع العرب إلى ما أعرضَتْ عنه، عامةٌ لا تَثْبُتُ بدليل خاصّ، هو مسألة النّعتيّة بعد القطعِ عنها.» [3] .

وذَكَرَ القرافيّ أنَّ للعربِ قواعِدَ أُخَرَ تُخالف هذه القاعدة؛ «وذلك أنَّ العربَ في (مَنْ) و (ما) ونحو ذلك ممّا معناه يخالف لفظه بأن يكون لفظه مفردًا، ومعناه عامّ، تعاملُ العربُ لفظه في عَوْدِ الضّمائر عليه مُفْرَدَةً، وهو الأصْلُ ... ، ثمّ إنَّها مع ذلك ترفُضُ هذا الأصلَ وتُعيد الضّمائرَ باعتبار المعنى، ثمّ تُراجِعُ الأوّلَ، عكسَ بابِ النعتِ؛ قال الله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذَكَرَ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ - وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} (الزخرف: 36 - 37) ، فهذا جمعٌ بعدَ إفراد، ثمّ عاد الإفرادُ في قوله تعالى: {حتّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} (الزخرف: 38) ، فأفردَ الضّمير العائد على (القرين) الواحد، ولو جَمَعَ لقال: حتّى إذا جاؤونا قالوا ... » [4] .

(1) الاستغناء في أحكام الاستثناء: 202 - 203.

(2) الاستغناء في أحكام الاستثناء: 205 - 206.

(3) الاستثناء عند الأُصوليّين: 324.

(4) الاستغناء في أصل الاستثناء: 204 - 205.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت