فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 462

قال القرافيّ بعد أن ذَكَرَ قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} (البقرة: 282) : «ولا يصح قولُهُم: السفيه: المجنون؛ لأنّ السَّفَهَ يُقابَلُ بالرُّشْدِ، والجنون يُقابَل بالعَقْل، والسفيهُ ليسَ برشيد. والضعيفُ: الصبيُّ، والذي لا يَستطيعُ أن يُمِلَّ: المجنون، نفيًا للترادف.» [1] .

استعمل القرافيّ في الفرق بين (السفيه) و (المجنون) معيارَ اعتبارِ النقيضِ الذي أصَّلَهُ أبو هلال العسكري (400 هـ) من قبل [2] . وقد ذَكَرَ السَّمين الحلبي (756 هـ) [3] نحوَ كلام القرافيّ، غَيْرَ أنَّهُ جَعَلَ نقيضَ السفيهِ: الرزينَ؛ فقال: «قولُهُ: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا} (البقرة: 282) أي: ضعيفَ العَقْلِ، اعتبارًا بخفتِهِ، ولذلك قوبِلَ بالرزَانَةِ؛ فقيل: رزينُ العَقْلِ.» [4] .

ويمكن - عندي - تناول الفرق باستعمال معيارٍ آخَرَ ذَكَرَهُ أبو هلال أيضًا، واستخْدَمَهُ القرافيّ في معالجة الكثير من الفروق، وهو معيار الاشتقاق [5] ؛ فأصْلُ السَّفَهِ: الخِفَّةُ والحركةُ؛ يقال: تَسَفَّهَتِ الرّيح الشَجَرَ: مالت بِهِ. وسُمِّيَ السفيهُ سفيهًا لخفةِ عقله [6] .

أمَّا الجنونُ، فأصْلُهُ (الجَنُّ) ، وهو: سَتْرُ الشيء عن الحاسَّةِ؛ يقال: جَنَّهُ الليلُ وأجَنَّهُ وجَنَّ عليه فَجَنَّه: سَتَرَهُ. فالجنون: حائل بين النَّفْسِ والعقل [7] . فثمةَ فَرْقٌ - إذًا - بين السفيهِ الذي خَفَّ عَقْلُهُ، والمجنون الذي حِيْلَ بينَ نَفْسِهِ وعَقْلِهِ، فاحْتَجَبَ عنها وغاب.

(1) الذّخيرة: 8/ 245.

(2) ينظر: الفروق اللّغويّة: 38.

(3) هو أحمد بن يوسف بن عبد الدائم بن محمد، الحبي، شهاب الدّين المُقْرِئ النحوي، نزيل القاهرة، المعروف بالسَّمين. برع في النحو، والقراءات، والأُصول، والأدب، له تفسير القرآن، والإعراب، و (شرح التسهيل) ، و (شرح الشاطبية) . (ينظر: بغية الوعاة: 1/ 402) .

(4) عمدة الحُفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ: 2/ 1222.

(5) ينظر: الفروق اللّغويّة: 38.

(6) ينظر: تحرير ألفاظ التنبيه: 200.

(7) ينظر: مفردات ألفاظ القرآن: 203 - 205.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت