أمر بالحديث كيف كان، أمَّا إن لم يُنَوِّنْه مع الكسر، فمعناه: حَدِّثْ من هذا الحديثِ خاصَّةً. وكذلك قال أئمّة اللُّغة: إنَّ التّنوين في هذه الألفاظ للتّنكير، وعدمه للتّعريف، إشارة إلى أنَّ المراد الحديث المعهود.» [1] .
لقد كانت مسألة تعريف أسماء الأفعال وتنكيرها ودلالة ذلك، من المسائل التي أثارت جدلًا بين النّحويّين منذ القديم. وقد نقل الرّضيُّ (686 هـ) عن جمهور النّحويّين أنَّ التّنوينَ اللاّحقَ لبعض هذه الأسماء للتّنكير، ذاكرًا أنَّ هذا التّنكير «ليس لتنكير الفعل الذي ذلك الاسم بمعناه؛ إذ الفعل لا يكون مُعَرَّفًا ولا مَنَكَّرًا ... بل التّنكير راجع إلى المصدر الذي ذلك الاسم قبل صيرورته اسمَ فعلٍ كان بمعناه ... فَصَهٍ بمعنى: سكوتًا، وإيهٍ بمعنى: زيادةً، فيكون المجرّد من التّنوين ممّا يلحقه التّنوين كالمُعَرَّف؛ فمعنى صَهْ: اسكت السّكوتَ المعهود المُعَيَّن، وتعيين المصدر بتعيين متعلّقه، أي: المسكوت عنه، أي: افعل السّكوت عن هذا الحديث المُعَيَّن، فجاز - على هذا - ألاّ يَسكت المخاطَب عن غير الحديث المشار إليه ... فالتّعريف في المصدر راجع إلى تعريف متعلّقه، وأمَّا التّنكير فيه فكأنّه للإبهام والتفخيم.» [2] . وعَقَّبَ الدكتور فاضل السّامرائيّ بأنّ كلام الرّضيّ هذا فيه ما هو مقبول وما هو مردود؛ فالمقبول فيه هو أنَّ ما نُوِّنَ يكون أعمّ وأشملَ ممّا لم يُنَوَّنْ؛ لأنَّ التّنكير قد يفيد العموم. وأمَّا غيرُ المقبول فهو قولهم إنَّ (صَهٍ) معناه: سكوتًا، و (صَهْ) معناه: السّكوت، وكذلك الباقي؛ فإنَّ (السّكوتَ) ليس معناه: اسكتْ عن حديث معيّن، وإنّما هو تعريفٌ للسّكوت لا للمسكوت عنه، أي: اسكت السّكوتَ المعهودَ؛ فقولك: (افعَلْ سكوتًا) لا يفيد نصًّا أنَّ المسكوت عنه عامّ، ولا (افعل السّكوت) يدلّ على أنَّ المسكوت عنه خاصّ، بل يصحّ أن يقال: (سكوتًا عن هذه المسألة) فيكون خاصًّا، كما يصحّ أن يقال: (السّكوت عن كلّ حديث) فيكون عامًّا [3] .
(1) العِقد المنظوم في الخصوص والعموم (صِيغ العموم الموضوعة لأسماء الأوامر والنّواهي) : 2/ 61 - 62. وينظر: العِقدُ المنظوم في الخصوص والعموم: 1/ 434. و: تصحيح الفصيح وشرحه: 246.
(2) شرح الرّضيّ على كافية ابن الحاجب: 4/ 12 - 13.
(3) ينظر: معاني النّحو: 4/ 422.