فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 462

واستُعْمِلَ في الغِيْبَةِ، وهي تَدُلُّ على الخفاء أيضًا. ولعلّ ما في الهاء من صفتي الهمس والرخاوة [1] ممّا يتَّفق وهذا المعنى. وأمَّا اللّمزُ؛ فيغلِبُ عليه الجَهْرُ بالقول، ولكن مع خفاء المعنى والتوائه، ويَشْهَدُ لهذا قولُهُ تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} (التوبة: 58) ؛ فقد جاء في سبب نزول الآية «عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، قال: بينا رَسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقْسِم قَسْمًا، إذ جاءَهُ ابن ذي الخُوَيْصِرَة التّميميّ، وهو حرقوص بن زهير أصل الخوارج، فقال: اعْدِلْ فينا يا رسولَ الله. فقال: «ويلَكَ، ومَن يَعْدِلُ إذا لم أعْدِلْ؟» [2] ، فنزل قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} (التوبة: 58) » [3] ، فكلام هذا الرّجلُ - وإن كان في الوجه مُعايَنَةً - فيه لِينٌ وخَتْلٌ ومَكْرٌ وخَفاءٌ في ما يَرمي إليه، فظاهرُهُ الحثُّ على العَدْلِ والقِسْمَةِ بالسَّوِيَّة، وباطنُهُ الرغبةُ في الاستحواذ على أكبر قِسْطٍ من أموال الصدقة.

ولعلَّ ما في اللام من صِفَتَي الجَهْرِ والانحراف [4] ممّا يوضح هذه المفارقة المعنويّة؛ فصفة الجهر في اللام تُناسِب إلقاءَ اللاّمِزِ بالقول في وَجْهِ مَنْ يَلْمِزُ جهرًا؛ وأمَّا صفة الانحراف فتُناسِبُ الانحراف بالقول عن وجهته المعنويّة المباشِرة، إلى معانٍ أُخرى بطريق المخاتلة والمكر. يُزادُ على ذلك أنَّ اللام من أصوات الذّلاقة التي تنساب في النّطق انسيابًا وينطلق بها اللّسان [5] ، وهذا يناسب مجيءَ اللام مع (اللّمز) ؛ إذ يوحي ذلك بفعل اللاّمز الذي يَعيبُ جهرًا في الوجه، ثُمَّ يَنْسَلُّ من ذلك الفعل بخفاء ودَهاء [6] .

ولَمّا كان الهمزُ أخصَّ بالغَيْبَةِ خفيةً، واللّمز أخصّ بالحضور جهرًا مع خفاء المعنى، كانَ الهمزُ أحَد أنواع الغِيْبَةِ، والغِيْبَةُ جِنْسٌ له.

(1) ينظر: الكتاب: 4/ 434.

(2) هذا الحديث اتفقَ على روايته البخاري (256 هـ) في صحيحه (الحديث رقم 3610) ، ومُسلم (261 هـ) في صحيحه (الأحاديث رقم 2446 و 2447 و 2449 و 2450 و 2451) .

(3) أسباب نزول القرآن: 417.

(4) ينظر: الكتاب: 4/ 434 - 435.

(5) ينظر: العَيْن: 7.

(6) ينظر: أُطروحة دقائق الفروق اللّغويّة في البيان القرآني: 330.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت