في منامك، وقد تُسْتَعمل في اليقظة (رّؤيا) . قلتُ: قال الله سبحانه: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} (الإسراء: 60) ، والجمهور على أنَّها في اليقظة.» [1] .
وصاحب القَبَس الذي ينقل عنه القرافيّ هذه الفقرة هو أبو بكر بن العربيّ المعافريّ المالكيّ (543 هـ) [2] ، واسم كتابِهِ كاملًا هو (كتاب القَبَس في شرح مُوَطَّأ مالك بن أنس) . وقد تَصَرَّف القرافيّ في النّصّ المنقول بعضَ الشيء، وحَذَفَ منه ما استدلّ به ابن العربيّ على استعمال (الرّؤيا) في اليقظة؛ إذ قال الأخير: «وقد تُسْتَعْمَل (الرّؤيا) مصدرًا في اليقظة، كما قال الرّاعي:
وكَبَّرَ للرؤيا وهاشَ فؤادُهُ ... وبَشَّرَ نفسًا كان قَبْلُ يلومُها
والأبياتُ قبله تدلّ على أنَّها رؤية اليقظة.» [3] .
وذكر بعض المفسِّرينَ سبب مجيء (الرّؤيا) بمعنى (الرّؤية) ، وهو أنَّهما أُخِذَا من معنى واحد [4] ؛ «فالّرؤيا تُماثل الرّؤية - بالعين - في تأكيد الوقوع وتحُّققه، لكنّها في المنام، والرؤية في اليقظة» [5] وتَأكُّد الوقوع والتحقُّق في (الرؤيا) يأتي من خصوصيّة استعمالها القرآني في الّدلالة على الرؤيا الصّادقة المؤكَّدة الوقوع؛ فقد جاءت لفظة (الرّؤيا) «في القرآن سبعَ مرّات، كلها في الرّؤيا الصّادقة، وهو لا يستعملها إلاّ بصيغة المفرد؛ دلالةً على التّمييز والوضوح والصّفاء» [6] ، بخلاف لفظة (الأحلام) ، التي استعملها القرآن «ثلاثَ مراتٍ، يشهد سياقها بأنّها الأضغاث المُشَوَّشَة، والهواجس المختلطة، وتأتي في المواضع الثّلاثة بصيغة الجمع؛ دلالةً على الخلط والتشوش، لا يتميز فيه حلم عن آخر.» [7] .
(1) أنوار البروق في أنواء الفروق: 4/ 1373.
(2) هو أبو بكر محمد بن عبد الله، المعروف بابن العربي المعافري الإشبيلي. بَرَعَ في الحديث والفقه والأُصول والأدب والشعر. من أهم كتبه: (عارضة الأحوذي شرح الترمذي) ، و (المحصول في أُصول الفقه) . (ينظر: الفكر السامي: 4/ 259) .
(3) كتاب القبس في شرح موطَّأ مالك بن أنس: 3/ 1135.
(4) ينظر: تفسير القرآن للسمعاني: 3/ 254.
(5) ظاهرة الترادف في ضوء التفسير البياني للقرآن الكريم: 89.
(6) الإعجاز البياني للقرآن: 199.
(7) الإعجاز البياني للقرآن: 199.