فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 462

{كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا} (الإسراء: 50) ثم قال: «الأول يُسَمّى التسخيرَ؛ عبارة عن تكوينهم على جهة التبديل، أي: جعلناهم على هذه الصّفة. والإهانة عبارة عن تعجيزهم فيما يَقدرون عليه، أي: أنتم أحقر من ذلك» [1] .

والحقُّ أنَّ (التّسخير) و (السّخرية) يرجعان إلى أصل واحد؛ قال ابن فارس (395 هـ) : «السّين والخاء والرّاء: أصل مُطّرِد مستقيم يَدُلُّ على احتقار واستذلال؛ من ذلك قولنا: سَخَّرَ اللهُ - عز وجل - الشيءَ؛ وذلك إذا ذَلَّلَه لأمره وإرادتِهِ ... ، ومن الباب: سَخِرْتُ منه، إذا هزئت به ... ، وفي كتاب الله تعالى: {فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} (هود: 38) » [2] ، غيرَ أنَّ (السّخرية) من الفعل المجرد (سَخِرَ) ، و (التّسخير) من الفعل المزيد المُضَعَّف (سَخَّرَ) الذي تدلّ صيغَتُهُ (فَعَّلَ) - فيما تدلّ عليه - على التّعدية أو الصيرورة، نحو: قَوّى يُقَوِّي، وفَرَّحَ يُفَرِّحُ، وفَزّعَ يُفَزِّعُ [3] ، ولذا فَضَّل الكثير من الأُصوليّين كلمة (التّسخير) على (السّخرية) تعبيرًا عَمّا جاء في قوله تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} لأجلِ ما في صيغة (التّفعيل) من النَّقْلِ والصيرورة اللائقينِ بمقام الانتقال والتّحوّل من حالةٍ إلى أخرى؛ فقال وليّ الدّين العراقيّ (826 هـ) [4] رادًا على القرافيّ: «التّسخيرُ: النَّقل إلى حالة مُمْتَهَنة، وليسَ في السّخريةِ انتقالٌ أصلًا» [5] . أمَّا ما ذكره القرافيّ من أنَّ التسخيرَ نعمة وإكرام، فهذا إنّما هو في حَقِّ المُسَخَّرِ لَهُ لا المُسَخَّر؛ فالليل والنهار، والأنهار، والشمس والقمر مُسَخَّرَةٌ ومُذَلَّلَةٌ في أنْفُسِها، وهي من نِعَمِ الله على الإنسان الذي سُخِّرَتْ له وذُلِّلَتْ لأجْلِهِ.

(1) الأمالي النحوية: 1/ 141.

(2) معجم مقاييس اللُّغة: 3/ 144.

(3) ينظر: أبنية الصرف في كتاب سيبويه: 263.

(4) هو أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن أبي بكر بن إبراهيم، الكردي الأصل، الرازياني، المهراني، الشافعي، المعروف بابن العراقي، كنيتُهُ أبو زرعة، ولقبه ولي الدّين. بَرَعَ في الحديث والفقه والأُصول والعربيّة. من أهم كتبه: (الإطراف بأوهام الأطراف) ، و (الغيث الهامع شرح جمع الجوامع) . (ينظر: مقدمة تحقيق الغيث الهامع: 1/ 7 - 13) .

(5) الغيث الهامع شرح جمع الجوامع: 1/ 253.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت