فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 462

ظهر في هذين اللّفظين أنَّ معنى أحدهما: (إنسان) ، ومعنى الآخر: (جزء العدد) ، فبطل الاشتقاق قطعًا. واعلَمْ أنَّ حصول المشاركة في اللّفظين بالنّسبة إلى لفظ ثالث قليلٌ في اللُّغة، حتّى إنّي لا أعلم له نظيرًا غيرَ هذا ... وبهذا التقرير يتجّه لك أن تعلم ما هو (أحد) الذي لا يُسْتَعْمَل إلا في النّفي، وما هو (أحد) الذي يصلح للنّفي والثّبوت، بأن ننظر: إن وجدتَ أنَّ المقصود باللّفظ: (إنسان) ، فقُل: هذا (أحد) الذي لا يُسْتَعمل إلا في النّفي، وألفُهُ ليست منقلبة عن واو؛ وإن وجدتَ المقصود باللّفظ الذي هو نصف الاثنين من العَدَدِ، فقل: هذا اللّفظ هو الصّالح للإثبات والنّفي، وألِفُهُ منقلبة عن واو.» [1] .

وقول القرافيّ إنَّ (أحدًا) المستعملة في الإثبات معناها الفرد من العَدَد الذي هو نصف الاثنين - لم يستوفِ كلّ ما ذَكَرَ من معانيها؛ فقد ذَكَرَ الرّاغب الأصفهانيّ (425 هـ) أنَّ (أحدًا) المستعملة في الإثبات تكون على ثلاثةُ أوجُهٍ؛ «الأوّل: ... في الواحد المضموم إلى العَشَرات، نحو: أحَدَ عَشَرَ ... ؛ الثّاني: يُسْتَعْمَلُ مضافًا أو مضافًا إليه بمعنى (الأوّل) ، كقولِهِ: {أمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا} (يوسف: 41) ، وقولِهِم: يوم الأحد، ومعناه: يوم الأوّل، بدلالة قولهم: يوم الاثنين. والثّالث: أن يُسْتَعْمَلَ في الإثبات مُطْلَقًا وَصْفًا، وليس ذلك إلا في وَصفِ اللهِ تعالى، كقوله: {هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (الإخلاص: 1) ... » [2] .

وأُصول كلام الرّاغب موجودة عند أبي عليّ الفارسيّ (377 هـ) الذي كان قد ذَكَرَ أنَّ (أحدًا) تُسْتَعْمَل اسمًا؛ كما في قولهم: أحَدٌ وعشرون، وتُسْتَعْمَل وَصفًا، كما في حالة إجرائها في حق الله - سبحانه وتعالى - [3] .

وأفادَ العلائيّ (761 هـ) [4] من هذا التأصيل، فصاغ المسألة صَوْغًا محكمًا، فقالَ: «فأمَّا (أحدٌ) فهذه اللّفظة تُسْتَعْمَل في الإثباتِ، وفي النَّفي؛ فالتي في الإثبات

(1) العِقد المنظوم في الخصوص والعموم (في الفرق بين ثبوت الحكم في الكلي، وبين نفي الكلي أو النهي عنه) : 1/ 324 - 326. وينظر: شرح تنقيح الفصول: 183، و: القواعد الثلاثون في علم العربيّة: 238، و: نفائس الأُصول في شرح المحصول: 2/ 540.

(2) رسالة في ذَكَرَ الواحد والأحَد: 40 - 41.

(3) ينظر: التكملة: 66 - 67.

(4) هو صلاح الدّين أبو سعيد خليل بن كَيْكَلْدي العلائيّ الدمشقيّ. أقام في القدس الشريف مُدَرِّسًا بالمدرسة الصلاحيّة وشيخًا بدار الحديث السُّكَّرِيّة ثلاثين سنة. كانت له اليد الطولى في علم الحديث، وله مشاركة قوية في الفقه والأُصول واللغة والعربيّة. من أهم كتبه: تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد، وتفصيل الإجمال في تعارض الأقوال والأفعال، وتلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم. (ينظر: البداية والنهاية: 14/ 280، ومقدمة تحقيق تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم: 61) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت