فهرس الكتاب

الصفحة 401 من 462

ثم ذَكَرَ القرافيّ أنَّ الاقتضاءَ قد يوجِبُ معنًى يدلّ عليه الدّليل من غير ملازمة، كما في قوله تعالى: {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} (طه: 96) ؛ فإنّا نُضْمِر: من أثَر حافِرِ فَرَس الرّسول - عليه السلام -، وليس في العادة ولا في العقل ولا في الشّرع ما يقتضي ذلك، بل دَلَّ الدّليل على أنَّ الواقع كان كذلك.

ثم ذَكَرَ القرافيّ مثالًا للاقتضاء الذي لا يكون فيه إضمار، بل يكتفى فيه بدلالة الالتزام، وهو قول السّيد للعبد: اصعَدِ السّطحَ؛ فإنَّهُ لم يُضْمِرْ شيئًا، غيرَ أنَّ لفظَهُ دَلَّ بالالتزام على معنًى غيرِ المنطوقِ.

وبَعْدَ أن ذَكَرَ القرافيّ ما ذَكَرَ، تَوَصَّل إلى تعريف جامع مانع للاقتضاء يُميّزه من الإضمار، وهو: دلالةُ اللّفظِ التزامًا على ما هو شَرْطٌ في المنطوقِ؛ سواءٌ أكان ذلك بإضمارٍ أم لا، وأنّه لا يوجبُ مجازًا في اللّفظ [1] .

وقد لَخَّصَ السّيوطيّ (911 هـ) كلامَ القرافيّ، فَذَكَرَ أنَّ الحَذْفَ (أي الإضمار) عنده أربعة أقسام: قسمٌ يتوقّف عليه صحّة اللّفظ ومعناه من حيث الإسناد، نحو: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} (يوسف: 82) ، أي: أهلَها؛ إذ لا يصحّ إسناد السّؤال إليها. وقسمٌ يصحّ بدونه، لكن يتوقّف عليه شرعًا، كقوله: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (البقرة: 184) ، أي: فأفْطَرَ، فَعِدَّةٌ. وقِسْمٌ يتوقّف عليه عادةً لا شرعًا، نحو: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} (الشّعراء: 63) ، أي: فَضَربَهُ، فانفلق. وقسم يَدُلّ عليه دليل غير شرعيّ، ولا هو عادة، نحو: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ} (طه: 96) ، دلّ الدّليل على أنَّهُ إنّما قَبَضَ من أثَرِ حافر فَرَس الرّسول. ثم ذَكَرَ السّيوطيّ أنَّهُ ليس في هذه الأقسام الأربعة ما يُعَدُّ مجازًا إلاّ الأوّل [2] .

وما ذَكَرَهُ القرافيّ والسّيوطيّ من الحذفِ والإضمار والمجاز في قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} (يوسف: 82) لا يوافقُ عليه ابن قيّم الجوزيّة (751 هـ) ، مع إقراره

(1) ينظر: نفائس الأُصول في شرح المحصول (في الفرق بينَ الوَضع والاستعمال والحَمْل) : 2/ 644 - 645.

(2) ينظر: الإتقان في علوم القرآن: 2/ 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت