بأنّ أكثر الأُصوليّينَ يمثلون به للإضمار والحذف. وحجّتُهُ في رَفضه ذلك أنَّ «القريةَ اسمٌ للسّكان في مسكن مجتمع؛ فإنّما تُطْلَقُ القريةُ باعتبار الأمرين، كالكأس لِمَا فيه الشَّرابُ، والذَّنوب للدَّلو الملآنِ ماءً ... ، ثم إنّهم لكثرة استعمالهم هذه اللّفظةَ، ودورانِها في كلامهم أطلقوها على السّكّان تارةً، وعلى المسكن تارةً، بحسب سياق الكلام وبساطه، وإنّما يفعلون هذا حيث لا لَبْسَ فيه، فلا إضمارَ في ذلك ولا حَذْفَ.» [1] .
أمَّا ما رجَّحَهُ القرافيّ من إضمارٍ في قوله تعالى على لسان السّامريّ: {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} (طه: 96) ، فخلافُ الأولى، وإن كان عليه عامّةُ المفسّرينَ؛ إذ قالوا: المراد بالرّسول جبريل - عليه السلام -، والمراد بأثَرِه التّرابُ الذي أخَذَهُ من موضع حافر دابّته. وكُلُّ هذا ليس عليه أثارَةٌ من عِلم، ولا يَدُلّ عليه التّنزيل الكريم. ولذا قال بعض المفسّرينَ إنَّ ثمّةَ وَجْهًا آخَر، وهو أن يكونَ المرادُ بالرّسول موسى - عليه السلام -، وبأثَرِهِ سنته، والتّقدير: عَرَفْتُ أنَّ الذي أنتم عليه ليس بحقّ، وقد كنتُ قبضْتُ قبضةً من أثرك أيّها الرّسولُ، أي من سنتك ودينك، فقذفْتُه، أي طَرَحْتُهُ.
وقد رَجَّحَ الفخر الرّازيّ (606 هـ) هذا الوَجْهَ لأسباب؛ منها: أنَّ جبريل - عليه السلام - ليسَ بمشهور باسم الرّسول، ولم يَجْرِ له فيما تَقَدَّمَ ذِكْرٌ حتّى يُجْعَلَ لامُ التّعريف إشارةً إليه. ومنها: أنَّهُ لابُدَّ في الذي ذَكَرَهُ المفسّرون من الإضمار، وهو: قَبضَةٌ مِن أثَرِ حافر فَرَس الرّسولِ، والإضمارُ خلافُ الأصل [2] .
وأمَّا المثال الذي ذَكَرَهُ القرافيّ للاقتضاء الذي لا يكون فيه إضمار، بل يُكْتَفى فيه بدلالة الالتزام، وهو: (اصْعَدِ السّطحَ) ، فهو المثال الذي ذَكَرَهُ الفخر الرّازيّ للاقتضاء الذي عَرَّفَهُ بأنَّهُ إثباتُ شَرْطٍ يتوقّف عليه وجودُ المذكور، ولا تتوقّف عليه صحّة اللّفظ؛ فقولنا: (اصعد السّطح) يقتضي نَصْبَ السُّلَّم، وهو أمر يتوقّف عليه وجود الصّعود، ولا تتوقف عليه صحّة اللّفظ. وقد ضَعَّفَ الزّركشيّ (794 هـ) هذا
(1) بدائع الفوائد: 3/ 872 - 873.
(2) ينظر: تفسير القاسميّ: 7/ 189 - 190.