وقد ذَكَرَ المُراديُّ (749 هـ) (إلاّ) المُدْغَمَةَ من (إن) و (لا) ، قائلًا: «وأمَّا (إلاّ) في نحو قوله تعالى: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} (الأنفال: 33) ، و: {إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} (التّوبة: 40) ، فهي مُرَكَّبَةٌ من (إن) الشّرطيّة، و (لا) النّافيّة، وهي حرفان لا حَرْفٌ واحد، وأمرها واضح.» [1] . وقال ابن هشام (761 هـ) عنها: «ليس من أقسام (إلاّ) التي في نحو: {إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} (التّوبة: 40) ، وإنّما هذه كلمتان: (إن) الشّرطيّة، و (لا) النّافية، ومن العجب أنَّ ابنَ مالك على إمامته ذَكَرَها في شرح التّسهيل من أقسام (إلاّ) » [2] . ولَمّا رَجَعْتُ إلى كتاب ابن مالك (672 هـ) الذي ذكره ابن هشام، وجدت فيه شرحَ ابن مالكٍ لقوله عن الاستثناء: «وهو المخرج تحقيقًا أو تقديرًا، من مذكور أو متروك، بـ (إلاّ) أو ما بمعناها» [3] ، فقال عند شرحه: «والباء من قولي بـ (إلاّ) متعلّقة بـ (المخرج) . واحْتَرزَ بذلك من (إلاّ) بمعنى ... (إن لَمْ) ، كقوله تعالى: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ} (الأنفال: 73) » [4] ، ونَصُّهُ هنا صريحٌ في أنَّهُ لم يَجْعل (إلاّ) في الآية من باب الاستثناء.
وممّا يؤيّدُ أنَّ ابن مالك بريءٌ من تهمة عَدِّ (إلاّ) المُدْغَمةِ من أقسام (إلاّ) الاستثنائيّة: ما قاله في كتابه الآخر (شرح الكافية الشافية) ، وهو أنَّهُ «لا حاجةَ إلى الاحتراز من (إلاّ) التي أصلُها (إن لاَ) ، كقوله تعالى: {إلاَّ تَفْعَلُوهُ} (الأنفال: 73) ، ولا من (إلاّ) التي تُؤَوَّلُ بمعنى (غير) ، كقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} (الأنبياء: 22) ، لأنَّ السّابقَ إلى ذهن السّامع عند ذَكَرَ (إلاّ) معنى الاستثناء، فأغنى ذلك عن احترازٍ» [5] .
(1) الجنى الدّاني في حروف المعاني: 522.
(2) مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب: 1/ 154.
(3) التسهيل مع شرحه: 2/ 264.
(4) شرح التّسهيل: 2/ 268.
(5) شرح الكافية الشّافية: 2/ 700 - 701.