ما قبلها مُعَلَّقًا عليه غيرُهُ، وتلك مستقلّة لا إضمار معها إلاّ عامل، على الخلاف في العامل بعد (إلاّ) ما هو؛ ... وسادسها: هذه لا توجب تعديةَ الفعل الذي قبلها، بل تُسْتَأْنَفُ بعدها جملةٌ أُخرى، وتلك تُعَدّي الفعل الذي قبلها، فيعمل فيما بعدها، كما يفعله حرف الجرّ في التّعدية. وسابعها: هذه داخلة على ما هو مقصود، لأنَّ التعاليق اللّغويّة أسباب يلزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم، والأسباب شأنها الاشتمال على الحِكَم والمصالح، فهي مقصودة، وتلك لا تدخل على ما هو مقصود، بل تُخْرِج ما هو ليس بمقصود عَمّا هو مقصود، لأنَّ هذا هو شأنُ الاستثناء؛ أن يُخرج ما عساه سها عنه المتكلّم فأدرجه، ولذلك منعه بعض العلماء إلاّ فيما هو أقلّ، لأنّه هو الذي يُعْذَر في الغفلة عنه عادةً، أمَّا أكثر الكلام فلا. وثامنها: أنَّ هذه تتعيَّنُ لنقيضِ ما تَقَدَّمَ؛ فإنَّك أدْخَلْتَ (لا) لنفي ما تَقَدَّمَ وتعليقِ نقيضِهِ، فكانت لنقيضِ ما تقدّم متعيّنةً، وتلك يقع بعدها النّقيضُ في الاستثناء المتّصل، وغيرُ النّقيضِ في الاستثناء المنقطع، فلم تتعيّنْ في النّقيض، كما في قوله تعالى: {لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى} (الدخان: 56) ، فما بعد (إلاّ) ليس نقيضًا لما قَبْلَها، لأنَّ نقيضَ (لا يذوقونَ فيها الموتَ) : يذوقون فيها، وهو تعالى لم يَحْكُمْ به، بل بالموتة الأُولى في الدُّنيا. وتاسعها: أنَّ هذه شأنُها أن يصْحَبَها الشّكّ لما فيها من التّعليق على (إن) ، وشأن (إن) ألاّ يُعَلَّق عليها إلاّ المُحْتَمَل؛ فلا تقول: إن زالَت الشّمسُ اليومَ أكرمتُكَ، بل: إذا زالت الشّمس أكْرَمْتُكَ؛ فإنَّ (إذا) يُعَلَّق عليها المُحْتَمَلُ وغيرُهُ بخلاف (إن) . وأمَّا تلك فلا يَصْحَبُها الشّكّ، لأنّها حكمٌ بالنّقيضِ، والحكمُ يَعْتَمِدُ الاعتقادَ، والمُعَلِّقُ في هذه ليس حاكمًا بوقوع النّقيض، بل بالرّبط بين النّقيضِ وما يَتَرتَّبُ عَلَيْهِ من المشروط. وعاشِرُها: أنَّ هذهِ لا يَجِبُ إيصالها بما تَقَدَّمَ من الزّمانِ، بل يجوزُ أن تقول بعد مُدَّةٍ طويلةٍ: إلاّ يَكُنْ كذا فَحُكْمُهُ كذا، لأنّه كلام مستقلّ له إيقاعُهُ متّصلًا ومنفصلًا. وتلك يجب اتصالها بالزّمان على الصّحيح من المذاهب، لأنّها فضلة في الكلام لا مستَقِلَّةٌ، والفضلةُ في الكلام لا يجوزُ إفرادُها، بخلاف الجملة المستقلّة يجوزُ أن يُنْطَقَ بها في أي زمان شاءَ المتكلم.» [1] .
(1) الاستغناء في أحكام الاستثناء (في الفرق بين(إلاّ) المُخْرِجة في الاستثناء، و (إلاّ) المُدْغَمةِ من (إن) الشّرطيّة و (لا) النّافية في التعليق): 133 - 136.