ودافَعَ الزّركشيُّ (794 هـ) عن القول بتخالف السّين و (سوف) ، ورَدَّ قول ابنِ مالك (672 هـ) ، مبيِّنًا وجهة نظره في الآيات التي احتجّ بها الأخير؛ فقال: «ولابُدّ من دليل على أنَّ قوله تعالى: {وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ} (النّساء: 146) ، وقوله: {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ} (النّساء: 175) مُعَبَّرٌ به عن معنًى واحد، ولمانعٍ أن يمنعه مستَنِدًا إلى أنَّ الله تعالى وَعَدَ المؤمنين أحوالَ خير في الدّنيا والآخرة؛ فجاز أن يكون ما قُرِنَ بالسّين لما في الدّنيا، وما قُرِنَ بـ (سوف) لما في الآخرة. ولا يخفى خروجُ قوله: {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ} (النّبأ: 4) ، وقوله: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} (التّكاثر: 3) عن دعواه؛ لأنَّ الوعدَ والوعيدَ مع (سوف) لا إسكانَ فيه [1] ، ومع السّين للمبالغة وقصد تقريب الوقوع، بخلاف: (سيقوم زيدٌ) ، و: (سوف يقوم) ؛ ممّا القصدُ فيه الإخبارُ المجرّدُ.» [2] .
والرّاجح - عندي - والله أعلم: أنَّ (سوف) اكثرُ تنفيسًا من السّين؛ إذ إنَّ لفظ (السَّوْفِ) عمومًا يفيد البُعْدَ؛ فمن معانيه الموتُ، ومِثْلُهُ السَّواف، ومنه قولهم: سافَ المالُ يسوفُ، إذا هَلَكَ. والسَّوْفُ: الشَّمُّ، والصَّبر، والمَسَافُ، والمَسَافَةُ، والسِّيْفَةُ: البُعْدُ؛ لأنَّ الدّليل إذا كان في فَلاةٍ شَمَّ ترابَها لِيَعْلَمَ أعَلَى قَصْدٍ أم لا، فكثُرَ الاستعمالُ حتّى سَمَّوا البُعْدَ مَسَافةً [3] . وقال السُّهَيليُّ (581 هـ) في هذا المعنى: «وأمَّا (سوف) فحَرْفٌ، ولكنه على لفظ (السَّوْف) الذي هو الشّم لرائحة ما ليس بحاضر، وقد وَجِدَتْ رائحتُهُ، كما أنَّ (سوفَ) هذه التي هي حرف، تدلّ على أنَّ ما بعدَها ليس بحاضر، وقد عُلِمَ وقوعُهُ وانتُظِرَ إبّانُهُ ولا غَرْوَ أن يتقاربَ معنى الحرف من معنى الاسم المشتقّ المتمكّن في الكلام ... ومن تأمَّلَ هذا المعنى في الحروف والأسماء المضارعة لها ألفاه كثيرًا.» [4] .
(1) أظنّه: لا إشكال فيه.
(2) البرهان في علوم القرآن: 4/ 282 - 283.
(3) ينظر: القاموس المحيط: 2/ 1095.
(4) نتائج الفكر في النّحو: 96.