«وباعتبار المماطلة والتّأخُّر قالوا: سَوَّفْتُهُ، أي: وَعَدتُهُ وعدًا ماطَلْتُهُ بوفائه، وقلتُ له: سوفَ أفعلُ كذا» [1] ، فالتّسويف مشتق من (سوف) [2] . ويُزادُ على ذلك أنَّ دلالة الأداتين متباينة من حيثُ الاستعمالُ في القرآن الكريم، وذلك على وَفق ما يأتي:-
1.أنَّ التّراخي في (سوف) أشدُّ منه في السّين؛ «وممّا يدلّ على ذلك قوله تعالى على لسان يعقوبَ - عليه السلام: {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} (يوسف: 98) ، وقوله على لسان إبراهيم - عليه السلام - لأبيه: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} (مريم: 47) ؛ فجاء بوعد يعقوب بـ (سوف) ، ووعد إبراهيمَ بالسّين، لأنَّ وعدَ يعقوبَ أطولُ من وعدِ إبراهيمَ، وذلك لما فعلوه به وبأخيهم يوسُفَ، فهو وَعَدَهم بالاستغفار في المستقبل حين طلبوا ذلك منه» [3] .
2.أنَّ (سوف) أكثر توكيدًا من السّين لزيادة حروفها عليها، «ويدلّ على ذلك الاستعمال القرآني لها؛ قال الله: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إنّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} (النّساء: 10) ، وقال: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا - وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا} (النّساء: 29 - 30) ، فجاء بـ (سوف) هنا بخلاف آية الأيتام؛ وذلك أنَّ المقام يقتضي الزّيادة في التّهديد، لأنَّ في عقوبة قتل النّفسِ عُدوانًا وظلمًا ... ومن الطريف أن يؤتى بلفظ (السَّوْفِ) الذي يفيد الهلاكَ والموتَ مع فعلةِ القتل، بخلاف آية الأيتام.» [4] .
3.أنَّ (سوف) يؤتى بها في مقام الإطالة، ويؤتى بالسّين في مقام الإيجاز، «وذلك لزيادة حروف الأُولى على الثانية؛ فمن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا} (النّساء: 56) ، وقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} (النّساء: 57) ، فجاءَ في الأُولى
(1) عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ: 2/ 1275 - 1276.
(2) ينظر: مفردات ألفاظ القرآن: 436.
(3) معاني النّحو: 4/ 405.
(4) معاني النّحو: 4/ 406 - 407.