فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 462

استثناءً في كتاب الله - عز وجل - فيه غموضٌ إلاّ لخَّصْتُهُ، وهذَّبْتُهُ، وبيَّنْتُهُ؛ تمثيلًا به في تلك الأبواب» [1] .

فالكتاب «يوضح الصلة الوثيقةَ بين النّحو والقران؛ فما من قاعدةٍ إلا وفي شواهِدِها آية، وما من آية إلا وفيها وَجْهٌ أو أكثرُ لبيان معنى الاستثناء ونوعِهِ؛ فالباب السابعَ عَشَرَ هو آيات فقط، ومثلُهُ مسائلُ البابِ الثّاني والعشرين، والثالثِ والأربعينَ، والسادسِ والأربعينَ» [2] .

فـ (الاستغناء) - بِجَعْلِهِ القرآنَ قبلةً يُوَلّي وَجْهَهُ شَطْرَها لاستنباط القواعد النّحويّة - يمثِّل تمهيدًا رائعًا لِما يُسَمَّى بـ (نظريّة النّحو القرآنيّ) التي توالت الدعوات إليها مؤخَّرًا، ومُلَخَّصُها أنَّ «الإيمان المطلق بالقرآن الكريم يقتضينا أن نتقبلَ كلّ ما جاءَ فيه من الأساليب والاستعمالات، وأن نَضَعَ لها القواعدَ والقوانينَ، وأن نصحّح النّحو على أساس القران، لا العكس؛ لأنَّ القرآنَ الكريمَ أصحُّ مصدر في الوجود على الإطلاق، فكان أَولى من كلِّ ما سواه بالاعتمادِ عليه في استنباطِ القواعدِ النّحويّةِ» [3] .

وبِهَدْيٍ من هذا التوجّه النّحويّ القرآنيّ، راح القرافيُّ يستنبط دقائقَ الفروق النّحويّة التي تفرزها القراءات المختلفة للآية الواحدة، وهو توجّه ما كان له أن يتأصَّلَ ويتأكَّدَ لولا ذلك التوجّهُ التجديديُّ الذي يحرص على استمداد الأحكام النّحويّة من كلّ ما جاء من القراءات القرآنيّة المعتَمَدَة.

وقد تطوّر هذا التوجُّهُ بعد القرافيّ، وبلغ ذروتَهُ عند أبي جعفر الرُّعَيْنِيّ (779 هـ) [4] الذي جَعَلَ منه عِلمًا مستويًا على سُوقه، وألَّفَ فيه كتابَهُ (تحفة الأقران

(1) الاستغناء في أحكام الاستثناء: 86.

(2) القسم الدّراسي من تحقيق كتاب الاستغناء: 72.

(3) نظريّة النّحو القرآني: 50.

(4) هو أبو جعفر أحمد بن يوسف بن مالك الرعينيّ الغرناطيّ الإلبيريّ، الملقَّب بشهاب الدّين. برع في الفقه والنّحو، وعُرِفَ بجودة الخط. من أهمّ كتبه: (شرح ألفيّة ابن معط) ، و (تحفة الأقران في ما قُرِئ بالتثليث من حروف القرآن) . (ينظر: بغية الوعاة: 1/ 403، و: مقدّمة تحقيق كتاب تُحفة الأقران 6 - 11) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت