من النسيان، إلاّ أنَّهُ لَمّا كَثُر في كلامهم حذفوا منه الياء - التي هي اللام -، والحذف لكثرة الاستعمال كثير في كلامهم، كقولهم: (أيْش) في (أيّ شيء) . كما احتجوا بأن تصغيره: (أُنَيْسِيان) ، فَرُدَّت الياء عند التصغير، والتصغير يَرُدّ الأشياء إلى أُصولها [1] . ومن حججهم أيضًا: أنَّ ابن عبّاس قال: (إنّما سُمّي إنسانًا، لأنّ الله - عز وجل - عَهِدَ إليه فنسي) [2] ، وقد قال الشاعر:
لا تَنْسَيَنْ تلكَ العهودَ فإنَّما ... سُمِّيْتَ إنسانًا لأنَّك ناسي [3]
وذهب البصريّون إلى أنَّ وزنه (فِعْلان) ، ووافقهم بعض الكوفيّين على ذلك، محتجّين بأنَّهُ مأخوذ من (الإنس) ؛ فقد سُمي الإنس إنسًا لظهورهم، كما سُمِّيَ الجنّ جِنًّا لاجتنانهم، أي استتارهم [4] .
وجُوِّزَ أيضًا أن يكون مشتقًا من (الأُنس) نقيض (الوَحشة) ؛ لأنّ بعض الناس يأْنَس ببعض [5] .
وأجاب البصريّون عن قول الكوفيّين أنَّهُ حُذِف منه الياء لكثرة الاستعمال كقولهم: (أيش) في (أيّ شيء) ونحو ذلك، بأنّ هذا باطل؛ لأنّه لو كان كذلك لجاز أن يُؤْتى به على الأصل، كما جاز أن نقول: (أيّ شيء) ، ولم يأت ذلك في شيء من الكلام لا في اختيار ولا ضرورة. وأمَّا قولهم إنَّ تصغيره على (أُنيْسِيان) دليل على أنّ أصله من (النسيان) ، فأجاب عنه البصريّون بأنَّ زيادة الياء في التصغير على خلاف القياس، كما زيدَت في (لُيَيْلِيَةَ) في تصغير (لَيْلَة) ، ونحوها ممّا جاء على خلاف القياس، فلا حجّة في ذلك [6] .
وذَهَبَ الكسائيَّ (189 هـ) إلى أنَّهُ مشتقّ من (النَّوْس) ، وهو الحركة [7] .
(1) ينظر: الإنصاف في مسائل الخلاف: 652.
(2) سِفر السعادة وسفير الإفادة: 2/ 1051.
(3) ينظر: الدر المصون في علوم الكتاب المكنون: 1/ 120.
(4) ينظر: الإنصاف في مسائل الخلاف: 652 - 653.
(5) ينظر: أمالي ابن الشجري: 1/ 188.
(6) ينظر: الإنصاف في مسائل الخلاف: 653.
(7) ينظر: الدر المصون في علوم الكتاب المكنون: 1/ 119.