فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 462

أي: في المستقبل، وقوله تعالى: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ} (آل عمران: 50) ، وهي قبلَه، {وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} (الإنسان: 27) ، {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كلّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} (الكهف: 79) ، أي: في المستقبل، لأنّهم كانوا سيقدمون عليه لم يتعدّوه بعد، ولو تَعَدَّوْه لأمِنوا منه. وعلى هذه القاعدة تتخرّج هذه الألفاظ حيث وَقَعَتْ في الكتاب العزيز. وقوله تعالى: {فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} (المجادلة: 12) ، لأنَّ النّجوى تقع في الزّمن المستقبل بعد الصّدقة، فكانت الصّدقة ماضيةً بالنّسبة إلى زمن النّجوى، فتأمّله في مواطنه، فربَّما خفيَ في مواطنه.» [1] .

إنَّ توجيه القرافيّ للفرق بين التّعبيرين يعتمد معنى الظرفيّة الزّمانيّة فيهما، واستعمالَهما في القرآن بهذا المعنى؛ فقد اطَّرَدَ مجيءُ (بين الأيدي) في القرآن بمعنى الماضي، و (وراء) بمعنى المستقبل على ما بَيَّنَ القرافيّ في استقرائه الرّائع الذي أزاحَ الكثيرَ من الإشكالات والتّساؤلات التي كانت تكتنف استخدام المادّتين في القرآن.

على أنَّ الفرّاءَ (207 هـ) رأى أنَّهُ يجوز استعمال أحد التّعبيرين مكانَ الآخر إذا كانا ظرفينِ للزّمان، بعدَ أن بَيَّنَ عَدَمَ جواز ذلك في المرئيّات أو الحسيّات؛ فقال: «ولا يجوز أن تقول لرجل وراءَك: هو بينَ يديك، ولا لرجل هو بينَ يديك: هو وراءَك؛ إنّما يجوز ذلك في المواقيت من الأيام واللّيالي والدّهر أن تقول: وراءَك بَرْدٌ شديد، و: بينَ يديكَ بَرْدٌ شديد؛ لأنّك أنت وراءَه، فجاز لأنّه شيء يأتي، فكأنّه إذا لحقك صارَ مِن ورائك، وكأنَّك إذا بلغْتَهُ صارَ بينَ يديك، فلذلك جاز الوجهانِ.» [2] . ولكنّ المتأمل فيما جاءَ في القرآن من استعمال التّعبيرين زمانيًّا يرى أنَّهُ يَشْهَدُ للفرق الذي قَعَّدَهُ القرافيّ بينهما.

أمَّا ما ذَكَرَهُ الأضداديّون في كتبهم من أنَّ (وراء) تأتي بمعنى (خَلْف) وبمعنى (قُدّام) أو (أمام) [3] فقد وَجَّهَهُ ابن قُتيبةَ (276 هـ) بأنَّهُ يعود إلى اشتراك

(1) نفائس الأُصول في شرح المحصول (في جواز نسخ القرآن) : 6/ 2555.

(2) معاني القرآن: 2/ 157.

(3) ينظر: كتاب الأضداد لابن السّكّيت (244 هـ) : 81 - 82، و: كتاب الأضداد لأبي حاتم السّجستانيّ (255 هـ) : 92 - 94، و: كتاب الأضداد لابن الأنباريّ (327 هـ) : 68 - 69، و: كتاب الأضداد في كلام العرب لأبي الطّيّب اللُّغويّ (351 هـ) : 412 - 414.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت