قال القرافيّ: «أصل الاستثناء: (إلاّ) ، وغيرُها إنّما يُستثنى به إذا كان في معناها، فإن لم يكن في معناها لا يُستثنى به؛ فتقول: غيرُ زيدٍ يقول كذا، و: سوى زيدٍ في الدّار، و: لا يكون زيدٌ هو القائم، و: حاشى [1] زيدٌ أن يقول كذا، وليس شيء من ذلك استثناءً؛ لأنَّ الاستثناء لابُدّ أن يكون فيه إخراج، وسلب، وإيجاب. و (حاشا) - وإن كانت حرفًا - لا يجوز أن تكون أصلًا في الاستثناء، لأنّها تعمل الجرّ؛ فتقول: أتَوْني حاشا زيدٍ - بالخفض -، وحرفُ الاستثناء لا يعمل الجرّ، فاختصّت (إلاّ) بأنّها أصل في الاستثناء دون (حاشا) .» [2] .
ومُلَخَّصُ ما قاله القرافيُّ أنَّ أصْلَ أدواتِ الاستثناء هو (إلاّ) لوجهين؛ أحدهما: أنَّها لا تَخْرُجُ عن معنى الاستثناء ولا تُفيد غيرَهُ، أمَّا سواها ممّا يستثنى به فيَخْرُج عن الاستثناء لمعانٍ تَدْخُلُهُ، فصار في الحكم زائدًا على حكمِ (إلاّ) ، فوجب أن يكون فرعًا في الباب؛ «إذ زاد حكمه على ما يقتضيه حكم الباب، وكانت (إلاّ) مختصّة بما يقتضيه الباب، فلذلك وجب أنْ تكون أصلًا في الباب، وإنّما استُثني بجميع ما ذكرنا على طريق التّشبيه بـ (إلاّ) .» [3] . فـ (إلاّ) «تقع في جميع أبواب الاستثناء للاستثناء فقط، وغيرها يقع في أمكنة مخصوصة منها، ويُسْتَعْمَلُ في أبواب أُخر.» [4] .
والوجه الآخر لأصالة (إلاّ) في الاستثناء: «أنَّها حَرْفٌ، والموضوعُ لإفادة المعاني الحروفُ» [5] ، «وإنّما يُنْقَل الكلامُ من حالٍ إلى حالٍ بالحروف؛ فكما نَقَلَتْ
(1) تخالِفُ (حاشا) ما ذَكَرَ معها ممّا يمكن أنَّ يُسْتَعْمَلَ في الاستثناء وفي غيره، في أنَّ لها صورتين؛ إحداهما: أنْ تكون الألِفُ فيها مْطْلَقةً (أي: حاشا) ، وهذه هي التي يصحّ استعمالها في الاستثناء، وتكون حَرْفًا، وتكونُ فعلًا غيرَ متصرِّف. والصّورة الأُخرى: أنْ تكون الألف فيها على صورة الياء (أي: حاشى، كما هي في نصّ القرافيّ) ، فهي - حينئذٍ - لا يصحّ استعمالها في الاستثناء، بل هي فعل متصرّف تامّ التّصرّف، تُكتَبُ ألفُهُ ياءً، ومضارعُهُ: (يُحاشي) . (ينظر: كِتابُ الكُتّاب: 48، و: منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل بهامش شرح ابن عقيل على ألفيّة ابن مالك: 2/ 240) .
(2) الاستغناء في أحكام الاستثناء (في أدوات الاستثناء) : 122.
(3) العلل في النّحو: 250.
(4) اللّباب في علل البناء والإعراب: 1/ 302.
(5) اللُّباب في علل البناء والإعراب: 1/ 302.