فُقِدَ مع ما فُقِدَ من الكتاب؛ إذ إنَّ الكتاب المطبوعَ يخلو منه، ويَغْلِبُ على ظنّي أنَّهُ من أوراق الكتاب الأولى التي سقطت من المخطوطة، والتي تُعَالجُ مقدّمات علم أُصول الفقه، ومنها معنى أُصول الفقه؛ إذ إنَّ هذا كان في ضِمْنَ ما تناوَلَتْهُ مقدّماتُ الكتابِ الأصلِ (البرهان في أُصول الفقه) [1] .
وأمَّا النّصّ الثّاني، فلأبي إسحاق الشيرازيّ الشّافعيّ (476 هـ) [2] في كتابه (شَرْح اللُّمَع) [3] ، ومضمونُهُ أنَّ الفقهَ ليس هو الفهمَ مُطْلقًا، ولكنّه الفهم الدّقيق. وهذا هو الذي استَظْهَرَهُ القرافيّ، مُرَجِّحًا إياه على مضمون نصّ المازريّ، الذي يقتضي التّرادف، وهو الأمرُ الذي يؤكِّدُ ما قُلْتُهُ سابقًا، من أنَّهُ كان حريصًا على نفي التّرادف ما وَجَدَ إلى ذلك سبيلًا.
وزيادةً على ما ذكره الشيرازيّ (476 هـ) ، ذَكَرَ نجم الدّين الطوفيّ (716 هـ) [4] فرقًا معتبرًا بين الفقه والعلم، وهو «أنَّ الفقهَ يتعلّق بالمعاني دون الأعيان، والعلم يتعلَّق بهما؛ فيصحّ أن يقال: علمتُ معنى كلامه، وعلمتُ السماءَ والأرضَ، وتقول: فَقِهْتُ معنى الكلام وفهمْتُهُ، ولا يُقال: فقهتُ السماءَ والأرض.» [5] .
وأمَّا عَلاقة الشِّعْر والشُّعور بالفَهْم والعِلْم، فقد بَيَّنَها ابن فارس (395 هـ) بقوله: «قولُهُم: شَعَرْتُ بالشّيء، إذا عَلِمْتَهُ وفَطَنْتَ له، و (ليتَ شِعْري) : أي ليتني عَلِمْتُ ... ، قالوا: وسُمِّيَ الشّاعِرَ لأنَّهُ يَفْطِنُ لمَا لا يفطِنُ له غيرُهُ.
قالوا: والدّليل على ذلك قول عنترة:
هل غادَرَ الشّعراءُ من مُتَرَدَّمِ ... أمْ هل عَرَفْتَ الدّارَ بعدَ تَوَهُّم
(1) ينظر: 1/ 78.
(2) هو أبو إسحاق إبراهيم بن علي الفيروزآباديّ الشيرازي الشافعي. برع في الفقه والأُصول، ومن أهم كتبه: (التنبيه) و (المهذب) في الفقه، و (اللُّمَع) و (شرح اللُّمَع) في الأُصول. (ينظر: الفكر السامي: 4/ 390 - 391) .
(3) ينظر: 1/ 157.
(4) هو سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم بن سعيد، الطوفي الصرصري ثم البغدادي، الفقيه الأُصولي المتفنن. من أهم كتبه: (مختصر الروضة) في أُصول الفقه، وشرحه، و (الإكسير في قواعد التفسير) . (ينظر: الذيل على طبقات الحنابلة: 2/ 366 - 367) .
(5) شرح مختصر الروضة: 1/ 131 - 132.