فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 462

وقد وافَقَ أبو البقاء العُكْبَرِيّ (616 هـ) [1] الشَّريشيَّ في دلالة مصطلح النَّسْخ، وخالَفَهُ بعضَ الشيءِ في دلالة المصطلحينِ الآخَرِيْنِ؛ فقال: «سَلَخَ: أخَذَ نصفَ البيتِ، أو أخَذَ بعضَهُ. ومَسَخَ: أخَذَ معناهُ دونَ لفظِهِ، والمَسْخُ: تحويلُ الشيءِ من صورة إلى صورة. ونَسَخَ: ادَّعى الشِّعْرَ بعينِهِ وبِرُمَّتِهِ، أي: أخَذَهُما جميعًا.» [2] .

ولا تَبْعُدُ الدّلالات الاصطلاحيّة كثيرًا عن أُصول معانيها في اللُّغة؛ فالنسخُ في اللغة: رَفعُ شيءٍ وإثباتُ غيرِهِ مكانَه، أو: تحويلُ شيءٍ إلى شيء [3] . والرّفعُ والتّحويلُ قريبانِ من النقل والأخذ للَّفظ والمعنى في الاصطلاح.

والمَسْخُ في اللغة يَدُلُّ على تشويهٍ وقِلَّةِ طَعْمِ الشيءِ؛ وَمَسَخَهُ اللهُ: شَوَّهَ خَلْقَهُ من صورة حسنةٍ إلى قبيحة، وطعامٌ مسيخٌ: لا ملْحَ له ولا طَعْمَ [4] . وهذا المعنى قريب ممّا أراده المصطَلحونَ بقولهم: إنَّ المسخَ هو قَلْبُ الشِّعْرِ وتغييرُهُ ممَّن يسرِقُهُ، إلى ما يُشوِّهه ويُقَبِّحُهُ. أمَّا السَّلْخُ فهو في اللُّغة: إخراجُ الشيء عن جلده، وأصْلُهُ مِنْ: سَلَخْتُ جِلْدَ الشّاةِ سَلْخًا [5] . وسَرقَةُ بعضِ البيتِ أو معناه إنّما هي إخراجٌ للشِّعر عن قالَبه الذي كان عليه، وهذا شبيهٌ بإخراج الشيءِ عن جِلْدِه.

وممّا يُلْمَحُ هنا: اشتراكُ الموادَّ اللّغويّة الثّلاث في حَرْفينِ من أصل ثلاثة أحرف، هما الخاء والسين، وتصاقُبُ الألفاظ يُؤْذِنُ بتصاقُبِ معانيها، على حَدِّ تعبير ابن جِنّي (392 هـ) [6] ، وهذا صحيح إلى حدّ بعيد في الألفاظ الثلاثة؛ فهي جميعًا تدلّ على رَفْعٍ أو نَقْلٍ أو تحويلٍ لشيءٍ من حالةٍ إلى أُخرى.

(1) هو عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسين، محب الدّين أبو البقاء العُكْبَرِيّ البغدادي الضرير النحوي الحنبلي. برع في النحو واللغة والفقه والحِساب. من أهم كتبه: (إعراب القرآن) ، و (إعراب الحديث) ، و (إعراب الشواذ) ، و (شرح المقامات) . (ينظر: بغية الوعاة: 2/ 38 - 39) .

(2) شرح الألفاظ اللّغويّة من المقامات الحريرية: 288.

(3) ينظر: معجم مقاييس اللُّغة: 5/ 424.

(4) ينظر: معجم مقاييس اللُّغة: 5/ 323.

(5) ينظر: معجم مقاييس اللُّغة: 3/ 94.

(6) ينظر: الخصائص: 2/ 145.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت