نَقَلَ القرافيّ عن بعض أهل العِلمِ أنَّ (الزِّنى) «يُمَدُّ ويُقْصَرُ؛ فَمَدُّهُ على أنَّهُ فِعْلٌ من اثنينِ، كالمُقاتَلةِ، ومَصْدَرُهُ: القِتالُ؛ وقَصْرُهُ لأنّه اسمُ الشيء نفسِهِ.» [1] .
وعبارة القرافيّ قريبةٌ ممّا قالَهُ ابنُ خالَوَيه (370 هـ) ، وهو أنَّ المصادِرَ تَطَّرِدُ «على (الفِعال) في باب (فاعَلَ) ، نحو: ضارَبَ مُضَارَبَةً وضِرابًا» [2] .
وما نَقَلَهُ القرافيّ من الفرق بينَ مَعْنَيَي (الزِّنى، والزِّناءِ) تبعًا للفرق الحاصِلِ بين مبنيَيْهما - أولى من القول بأنّهما لغتان للمعنى نفسه، وهو ما ذكره الفَرّاء (207 هـ) بقوله: «باب ما يُقْصَرُ ويُمَدُّ، وأوَّلُهُ على صورةٍ واحدةٍ، ومعنى المقصور فيه كمعنى الممدود: من ذلك: الزِّنى ... ؛ أهلُ الحجاز يَمدّونَهُ.» [3] . ولذلك استَدْرَكَ محققُ كتابِ الفرّاءِ عبدُ العزيز الميمنيُّ على هذا الكلامِ في الهامش بما نَقَلَهُ عن ابن وَلاّدٍ (332 هـ) [4] عن الممدود، وهو أنَّهُ: «كأنَّه من فِعْلٍ اشتركَ فيه رجُلانِ، فيُنْقَل إلى (مُفاعَلَةٍ) و (فِعَال) » [5] ، وهذا قريب جدًّا ممّا قاله القرافيُّ. ولِذا، ذَكَرَ العلماءُ أنَّ الفعلَ المزيدَ (فاعَلَ) يأتي في مصادِرِهِ (فِعال) و (مُفَاعَلة) ، بل إنَّ بعضَ متأخِّري النّحاةِ يرى أنَّ صيغةَ (فِعال) هي صيغة المصدر القياسيّة في الفعل (فاعَلَ) [6] ، على أنَّ الفيروزآباديّ (817 هـ) ذَكَرَ أنَّ صيغة (فِعال) قد تأتي من الفعل المجرَّد أيضًا، كما تأتي من المزيد؛ فيقال: «زَنى يَزني زِنًى وزِنَاءً، وزانى مُزَاناةً وزِناءً» [7] . وقَرَّرَ بعض أهل العِلمِ أنَّ صيغة (فِعال) تأتي من (فَعَلَ) اللاّزم كذلك، وذلك على معنيينِ؛ أحدُهما: ما دَلَّ على امتناع وإباء، نحو: نَفَرَ نِفارًا. والمعنى الآخر: ما دَلَّ على انتهاءِ زمانِ الفِعل، نحو: قَطَعَ قِطاعًا [8] .
(1) الذّخيرة (كتاب الجنايات) : 12/ 47.
(2) ليس في كلام العرب: 32.
(3) المنقوص والممدود: 27.
(4) هو أحمد بن محمد بن وَلاّد بن محمد، النحويّ هو ووالده وجَدُّهُ، أبو العباس. كان بصيرًا بالنحو، ومن أهم كتبه: (المقصور والممدود) ، و (الانتصار لسيبويه على المبرد) . (ينظر: بغية الوعاة: 1/ 386) .
(5) هامش تحقيق المنقوص والممدود: 27.
(6) ينظر: أبنية المصدر في الشعر الجاهلي: 198.
(7) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز: 3/ 138. وينظر: القاموس المحيط: 2/ 1695.
(8) ينظر: أبنية الصرف في كتاب سيبويه: 147.