فهرس الكتاب

الصفحة 309 من 462

ثم نَقَلَ القرافيّ عن الجرجانيّ (471 هـ) في (شرح الإيضاح) عدمَ صحّة الاستثناء في قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} (الأنبياء: 22) ، لفساد المعنى، استنادًا إلى القاعدة السّابقة، إلاّ أنَّهُ حُكِيَ جوازُه إذا لوحِظ معنى النّفي [1] .

ثم ذَكَرَ القرافيّ قول أبي بكر بن السَّرّاج (316 هـ) [2] أنَّهُ لا يجوز أن نستثني من النّكرة في الموجب؛ فلا يُقال: جاءَني قومٌ إلاّ رجلًا، لعدم الفائدة في استثنائه، فإن نَعَتُّهُ أو خَصَصْتَهُ جاز. فامتناعُهُ من جهة الفائدة، فحيث وَقَعَت الفائدةُ جازَ [3] .

وعَقَّبَ القرافيّ على جميع ما سبق نَقْلُهُ بأنَّهُ يتلخّص لدينا أنَّ الزّيديَّ ضَيَّقَ إلى الغاية في إطلاقه القول إنَّهُ لا يجوز الاستثناء من مجهول، ولم يَحْكِ خلافًا، أمَّا الجرجانيُّ فقد وَسَّعَ قليلًا من جهة حكاية الخلاف في جواز الاستثناء من (آلهةٌ) في الآية مع أنَّهُ مجهول. وَوَسَّعَ ابن السَّرّاج أكثر من ذلك في قوله: (إذا نعتَّهُ أو خصصتَهُ جاز) ، وإنَّه متى حصلت الفائدة جاز. وذَكَرَ القرافيّ أنَّ سبب مَنْعِ مَنْ مَنَعَ ذلك مبنيّ على عدم الفائدة، ولذلك حاول إظهار الفائدة من ذلك، سواء أوُصِفَ المستثنى منه أم لا، بقوله: «إذا قلتَ: جاءَني رجالٌ إلاّ زيدًا، هذا فيه فائدة قويّة؛ وذلك أنّك إذا قلتَ: جاءني رجال، فالسّامع يُجَوِّزُ أن يكونَ من جملة الرّجال زيد، ولعلّ ذلك من مؤلِماته، كما إذا قلتَ: قَتَلْتُ رجالًا إلاّ زيدًا، فبقولك: إلاّ زيدًا، لم يبقَ زيد صالحًا للدّخول فيهم، فعَدمُ بقائه في حيِّز الصلاحيّة إنّما استفدناه من الاستثناء ... بل أقول: إذا قلتَ: جاءَني رجالٌ إلاّ زيدًا وعمرًا وبكرًا وخالدًا، فيه فائدة ... وهي أنَّ كلّ شخص جزءٌ، فهو محلّ لأعَمِّهِ وجميعِ أجناسِهِ الغالبةِ ونوعِهِ الخاصّ به، فلمّا قلتَ: جاءَني رجل، فقد أضفتَ المجيءَ لمفهوم الرّجل، وهو حقيقة كلّيّة، فَقَبِلَ أن يحصل في زيد وعمرٍو وبكرٍ وما لا يتناهى من الأشخاص، والسّامع يُجوِّز أن يكونَ الرّجل الذي جاءَك هو كلّ واحد من هذه المستثنيات المذكورة، فباستثنائه خرج عن أن يكون محلاًّ لذلك القدر العامّ والحقيقة الكلّيّة. وقد يكون السّامع مُتَشوّقًا لمعرفة ذلك ومتألِّمًا بحصول ذلك الكلّيّ في ذلك المحلّ، أو مسرورًا به، فيحصل مقصود

(1) ينظر: الاستغناء في أحكام الاستثناء: 375، و: المقتصد في شرح الإيضاح: 2/ 712 - 713.

(2) ينظر: الأُصول في النّحو: 1/ 284.

(3) ينظر: الاستغناء في أحكام الاستثناء: 376.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت