(حيثُما) في جملة ما تدخل عليه (ما) زائدةً للتّقوية؛ إذ قال: « (متى ما) بزيادة (ما) عليها فإنّها تُقَوِّي عُمومَها، وهي مع (ما) أقوى في المعنى منها وحدها ... (كيفَما) ، وهي أبلغ من (كيفَ) بغير (ما) ... (حيثُما) ، وهي أبلغ من (حيثُ) وحدَها، إذا جُعِلَتْ شرطًا ... (إذا ما) الشّرطيّة، وهي أبلغ من (إذا) وَحدَها.» [1] .
ولعلّ تحفّظه هنا في إدخال (حيث) في جملة أدوات الشّرط بقوله: «إذا جُعِلَتْ شرطًا» - إنّما هو بسبب إجازة الفرّاء (207 هـ) استعمالها مجرّدةً من (ما) ؛ إذ قال: «إذا رأيتَ حروف الاستفهام قد وُصِلَتْ بـ (ما) ، مثل قوله: أينما، ومتى ما، وأيُّ ما، وحيثُ ما، وكيفَ ما، ... كانت جزاءً ولم تكن استفهامًا. فإذا لم توصَل بـ (ما) كان الأغلب عليها الاستفهام، وجاز فيها الجزاء.» [2] . ومذهب الفرّاء هذا «ضعيف؛ لأنّه مخالف لمذهب الجمهور، ولعدم ورود ما يؤيده من السّماع.» [3] .
وبالتّفصيل السّابق يظهر اختلاف حكم (ما) باختلاف ما تدخل عليه من هذه الأدوات، ويظهر عَدَم دقّة القرافيّ في تعميم القول بزمانيّة (ما) فيها جميعًا، ومن ثَمَّ عدم صحّة تقدير المعنى في (متى ما) بـ (زمان زمان) ، وفي (حيثُما) و (أينَما) بـ (مكان زمان) ، بخلاف تقدير: (كُلَّما دخلتِ الدّارَ فأنتِ طالق) بـ (كلّ زمانٍ تدخلين الدّارَ فأنتِ طالق في ذلك الزّمان) ؛ فإنَّهُ صحيح؛ لأنَّ (ما) هنا يصحّ تقديرها ظرفيّة مصدريّة، كما أسلفتُ.
ولكلّ ما سَبَقَ، تَعَرَّضَ القرافيّ لهجوم قاسٍ من ابن الشّاط (723 هـ) الذي تعقَّبَ تعميمَه كونَ (ما) اسمًا، بقوله: «وما أرى ذلك قولًا لأحد من النّحاة، ثم بنى على ذلك أنَّ (حيثُما) معناها: (مكانُ زمانِ) ، وليس ذلك بصحيح. وقوله: إنَّ بحثه ذلك هو الكاشف عن هذه الحقائق، ليس كما قال؛ بل هو المخلط لهذه الحقائق.
(1) العِقْد المنظوم في الخصوص والعموم (في سرد صيغ العموم الدّالة بالوضع الأوّل على العموم لغةً) : 1/ 415 - 416.
(2) معاني القرآن: 1/ 85.
(3) أسلوب الشّرط بين النّحويّين والأُصوليّين: 108.