فهرس الكتاب

الصفحة 353 من 462

حيثُ جلس زيدٌ؛ فإنّك عمّمتَ حكم الشّرط في جميع البقاع، ولم تُخبر عن جلوسك في جميع البقاع.» [1] .

يكاد النّحويّون يُجْمِعُونَ على أنَّ (حيثُ) لا تكون أداة شرطٍ إلاّ مقرونةً بـ (ما) ، مستندين إلى قول سيبويه (180 هـ) : «ولا يكون الجزاء في (حيث) ولا في (إذْ) حتّى يُضَمَّ إلى كلّ واحد منهما (ما) [2] ، إلاّ ما جاء عند الفرّاء (207 هـ) من إجازته استعمالها شرطيّة مجرّدةً من (ما) ؛ إذ قال: «إذا رأيتَ حروف الاستفهام قد وُصِلَتْ بـ (ما) ، مثل قوله: أينما، ومتى ما، وأيُّ ما، وحيثُ ما، وكيفَ ما ... كانت جزاءً ولم تكن استفهامًا، فإذا لم توصَل بـ (ما) كان الأغلب عليها الاستفهام، وجاز فيها الجزاء.» [3] ، وما ذهب إليه الفرّاء ضعيف، لمخالفته مذهب الجمهور، ولعدم مجيءِ ما يؤيده من السّماع، ولأنَّ (حيث) من الظّروف الملازِمة للإضافة لما فيها من الإبهام، والإضافة تفيدها توضيحًا وتخصيصًا، وهذا ينافي معنى الشّرط؛ لأنَّ باب الشّرط مبنيّ على الإبهام، فلمّا قُصِدَ بها الشّرط والمجازاة ألزموها (ما) لتكفّها عن الإضافة، فعادَ إليها الإبهام، وأفادَت مع (ما) معنى الشّرط بعدَ أن لم يكن فيها [4] . ثمّ إنَّ (حيث) مجرّدةً من (ما) يجوز أن يُبْتَدَأ بعدها الاسمُ، وأدواتُ الشّرط تختص بالدّخول على الأفعال، فدَلَّ ذلك على أنَّ (حيث) لا يُجازى بها إلاّ إذا ضُمَّتْ إليها (ما) ؛ قال سيبويه: «وإنّما مَنَعَ (حيثُ) أن يُجازى بها: أنّك تقول: حيث تكون أكون، فـ (تكون) وَصْلٌ لها، كأنّك قلتَ: المكان الذي تكون فيه أكون. ويُبَيِّنُ هذا أنَّها في الخبر بمنزلة (إنّما) و (كأنَّما) و (إذا) أنَّهُ يُبْتَدَأُ بعدَها الأسماءُ أنّك تقول: حيثُ عبدُ اللهِ قائمٌ زيدٌ، و: أكون حيث زيدٌ قائمٌ؛ فـ (حيث) كهذه الحروف التي تُبْتَدَأُ بعدها الأسماءُ في الخبر، ولا يكون هذا من حروف الجزاء، فإذا ضَمَمْتَ إليها (ما)

(1) العِقد المنظوم في الخصوص والعموم (في سَرْد صيغ العموم الدّالة بالوضع الأوّل على العموم لغةً) : 1/ 414.

(2) الكتاب: 3/ 56.

(3) معاني القرآن: 1/ 85.

(4) ينظر: أسلوب الشّرط بين النّحويّين والأُصوليّين: 107 - 108.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت