1.أنَّ ابن قيّم الجوزيّة (751 هـ) ناقش المقولة النّحويّة التي تذهب إلى أنَّ الزّمن في الجملة الشّرطيّة لابُدّ أن يكون في المستقبل، بكلامه على القضيّة الخلافيّة التي دارت حول دلالة (كانَ) الزّمنيّة في قوله تعالى حكايةً عن عيسى - عليه السلام: {إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} (المائدة: 116) ، فقال: «فهذا شرطٌ دخل على ماضي اللّفظ، وهو ماضي المعنى قطعًا؛ لأنَّ المسيح إمّا أن يكونَ صَدَرَ هذا الكلام منه بعد رفعه إلى السّماء، أو يكون حكايةَ ما يقوله يومَ القيامة، وعلى التّقديرين، فإنّما تعلّقَ الشّرط وجزاؤه بالماضي.» [1] . ثم خَطَّأ تأويلَ ابن السَّرّاج (316 هـ) الذي نَقَلَهُ القرافيّ مرتضيًا إيّاه، فقال: «وهذا الجواب ... ضعيف جدًّا، ولا يُنْبئ عنه اللّفظ، وليت شِعْري ما يصنعون بقول النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لعائشة: «إن كُنْتِ ألْمَمْتِ بذنبٍ فاستغفري الله وتوبي إليه» [2] ، هل يقول عاقل إنَّ الشّرط هنا مستقبل؟ ... لم يَقْصِد: إن يَثْبُتْ في المستقبل أنَّكِ أذنبتِ في الماضي فتوبي ... وإنّما المقصود المراد ما دلّ عليه الكلام: إن كان صَدَرَ منكِ ذنبٌ فيما مضى فاستقبليه بالتّوبة، لم يُرِدْ إلاّ هذا الكلام.» [3] .
ثم قَدَّمَ ابن القيّم تصوّره الخاصّ في هذه القضيّة، فقال: «فالصّواب أن يُقال: جملة الشّرط والجزاء تارةً تكون تعليقًا محضًا غيرَ متضمّنٍ جوابًا لسائل: هل كان كذا؟، ولا متضمّنٍ لنفيِ قولِ من قالَ: قد كان كذا، فهذا يقتضي الاستقبالَ. وتارةً يكون مقصوده ومضمّنه جواب سائل: هل وقَعَ كذا؟، أو رَدَّ قوله: قد وقع كذا، فإذا علّق الجواب ههنا على شرط لم يلزم أن يكون مستقبلًا لا لفظًا ولا معنًى، بل لا يصحّ فيه الاستقبال بحال، كمن يقول لرجل: هل أعتَقْتَ عبدك؟، فيقول: إن كُنْتُ قد أعتَقْتُهُ فقد أعْتَقْتُهُ للهِ، فما للاستقبال هنا معنًى قط. وكذلك إذا قلتَ لمن قال: صَحِبْتُ فلانًا، فتقول: إن كُنْتَ صحبتَهُ فقد أصبتَ ... فقد عرفتَ أنَّ هذه المواضع ... مواضع ماضٍ لفظًا ومعنًى ليطابقَ
(1) بدائع الفوائد: 1/ 78.
(2) هذا الحديث اتَّفَقَ على روايته البخاريّ (256 هـ) في صحيحه (الحديث رقم 2661) ، ومُسْلم (261 هـ) في صحيحه (الحديث رقم 6951) .
(3) بدائع الفوائد: 1/ 79 - 80.