فهرس الكتاب

الصفحة 362 من 462

صيحةٌ واحدةٌ، وقرأ الباقون بنصبهنَّ على أنَّ (كان) ناقصة؛ أي: ما كانَتْ هي (أي: الأخْذَةُ) إلاّ صيحةً واحدةً» [1] .

ولَسْتُ أدري كيف أنَّ السّمينَ الحلبيّ (756 هـ) طَوَّعَتْ له نَفْسُهُ الحكمَ على قراءة الرّفع بأنّها ممّا لا يَسوغ إلاّ في ندور واضطرار، على الرّغم من إثباتِهِ قراءةَ أبي جعفر بها؛ فقال: «قولُهُ: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} : العامَّةُ على النّصب على أنَّ (كانَ) ناقصة، واسمها ضميرُ الأخْذَةَ، لدلالة السّياق عليها، و (صيحةً) خبرها. وقرأ أبو جعفر وشيبةُ ومُعاذ القارئ برفعها، على أنَّها التّامّة، أي: وَقَعَ وحَدَثَ. وكان ينبغي ألاّ تلحقَ تاءُ التّأنيث للفصل بـ (إلاّ) ، بل الواجب في غير نُدور واضطرار حذفُ التّاء؛ نحو: (ما قامَ إلاّ هندٌ) » [2] .

وأرى في تضاعيف هذا الكلام جُرْأةً على كتاب الله وعَدَمَ توقيرٍ لقراءاته المتواترة؛ إذ هل في وسع مُسْلِمٍ - مهما يَبْلغْ ظَنُّهُ - أن يَظنَّ أنَّ اللهَ تبارك وتعالى قد يُضطَرُّ إلى مضايق الكلام وندور القول؟!، كَلاّ وألف كَلاّ، بل إنّما يُضْطَرُّ إلى ذلك الشّعراءُ لا رَبُّ الشّعراء عَزَّ وجَلَّ. لذا، أُكْبِرُ ما ذكرهُ الدكتور خليل بنيان الحَسّون - بعد أن ذَكَرَ أنَّ القول بعدم جواز إثبات تاء التّأنيث في الفعلِ إذا كان الفاعل مؤنّثًا في الاستثناء المُفَرّغ يُنْسَبُ إلى جمهور النّحويّينَ -؛ إذ قال: «وقد جاء الإثبات في غير الشّعر، في كلام اللهِ في قوله تعالى: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} (يس: 29) ، وفي قوله: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} (يس: 53) ، ولاشكّ أنَّ إثبات التّاء في الموضعين مع (الصّيحة) ، وتأنيثها مجازيّ - إذ يستوي فيها الأمران: الإثبات وعدمه في غير الاستثناء - يجعل من مجيئها مع المؤنّث الحقيقيّ أدخل في هذا الشّأن وأسوغ، مع قيام ذلك على شاهدينِ من القرآن.» [3] .

(1) النَّشْر في القراءات العَشْر: 2/ 353.

(2) الدّرّ المصون في علوم الكتاب المكنون: 9/ 258.

(3) النّحويّون والقرآن: 73.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت