سُبْحَانَهُ (مريم: 35) ، وكقوله تعالى: {مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا} (النّمل: 60) ؛ والثّاني: كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} (الأحزاب: 53) ، وكقوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} (الأنفال: 67) ، أي: عادة الله ذلك في شرائعه ومع نبيّه.» [1] .
وقَدْ وَجَّهَ الرّضيُّ (686 هـ) لامَ الجحود توجيهًا لطيفًا بقوله: «وكأنَّ هذه اللام في الأصل هي التي في نحو قولهم: أنتَ لهذه الخطّة، أي: مناسب لها وهي تليق بك، فمعنى: (ما كنتُ لِأَفعلَ) : ما كنتُ مناسبًا لفعله، ولا يليقُ بي ذلك. ولاشكّ أنَّ في هذا معنى التّأكيد.» [2] . وأصلُ هذا المعنى عند سيبويه (180 هـ) في قوله: «ما كان زيدٌ لِأنْ يَفعَلَ، أي: ما كان زيدٌ لهذا الفعل.» [3] . وقول سيبويه هذا يُمَثِّلُ مذهَبَ البصريّين في تقدير التّركيب الذي تدخل فيه لام الجحود؛ فقد ذَهَبُوا إلى أنَّ النّاصب للفعل بعد اللام هو (أن) مقدَّرة بَعْدَها، وأنّه لا يجوز إظهار (أن) بَعْدَها، كما قيل في لام (كي) ؛ لأنّها قد صارت بدلًا من اللّفظ بـ (أن) [4] . فتقدير نحو قولنا: (ما كانَ زيدٌ ليقومَ) - على مذهب البصريّين - يعتمد أنَّ خبر (كان) محذوف، وأنّ الفعل بعد لام الجحود ينتصب بإضمار (أن) وجوبًا، فينسبك منها ومن الفعل مَصْدَر مُنْجَرٌّ بهذه اللام، وتتعلّق هذه اللام بذلك الخبر المحذوف، والتّقدير: ما كانَ زيدٌ مُريدًا للقيام [5] . وذَهَبَ الكوفيّون إلى أنَّ اللام وما بعدَها في محل الخبر، ولم يُقَدِّروا شيئًا محذوفًا، وذكروا أنَّ النّصبَ في الفِعل بعدَها بنفسها لا بإضمار (أن) ، وأنّ اللام للتّأكيد [6] . وذَهَبَ السّمين الحلبيّ (756 هـ) إلى أنَّ قولنا: (ما كان زيدٌ ليقومَ) أبلغ من قولنا: (ما كانَ زيدٌ يقومُ) على كلا المذهَبَيْن؛ فقال: «أمّا على مذهب البصريّين فواضح؛ وذلك
(1) الاستغناء في أحكام الاستثناء (في الاستثناء المنقطع) : 462 - 463.
(2) شرح الرّضيّ على كافية ابن الحاجب: 5/ 64.
(3) الكتاب: 3/ 7.
(4) ينظر: ائتلاف النّصرة في اختلاف نحاة الكوفة والبصرة: 153، و: الإنصاف في مسائل الخلاف: 474.
(5) ينظر: الدّر المَصُون في علوم الكتاب المكنون: 2/ 157.
(6) ينظر: الدّر المصون في علوم الكتاب المكنون: 2/ 157.