فهرس الكتاب

الصفحة 373 من 462

المسح، وتأوَّلوا قراءةَ النّصب بأنّ الرِّجْلَ معطوفٌ على الرأس قبل دخول حرف الجرّ عليه، كقول الشّاعر: [الوافر]

معاويَ إنَّنا بَشَرٌ فأَسْجِحْ ... فلَسْنا بِالجبالِ ولا الحَدِيدا [1]

والفرقُ بينهما: أنَّ (ليس) تتعدّى بنفسها لنصب خبرها، بخلاف المسح لا يتعدّى لمفعولين بنفسه، وقد بَيَّنّا أنَّ أحَدَ مفعولَيْهِ المنصوب مضمر، فيكون الرأس المفعول الثّاني، فيتعيّن له حرف الجرّ.

وقال المازريّ وابن العربيّ وجماعة من أصحابنا: الخفض محمول على حالة لبس الخفّين، والنّصب على عدمهما. ومنهم من قال: الأصل النّصب، وإنّما الخفضُ على الجِوار، كقول العرب: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ. وَوَرَدَ عليهم أمرانِ؛ أحدُهما: أنَّ المثالَ لا لَبْسَ فيه، بخلاف الآية؛ فإنَّ المسحَ في الرّجلين ممكن، وليس يمكن أن يوصَفَ الضَّبُّ بالخرابِ. وثانيهما: أنَّ العطفَ في الآية يأبى ذلك، لاقتضائه التّشريكَ، بخلاف المثال.» [2] .

وذَكَرَ هذه القراءاتِ الثّلاثَ أبو جعفر الرُّعينيُّ (779 هـ) ، ساردًا توجيهاتِ النّحويّينَ والمفسّرينَ إيّاها؛ فبَيَّنَ من تأويلات الخفض: الخفض على الجوار، غيرَ أنَّهُ ضَعَّفَه لأنَّ الصّحيح فيه عنده - أن يكونَ في النّعت لا في العطف، وهو نحو ما ذكره القرافيّ. ومن تأويلات الخفض الأُخرى: أنَّ الخفض بحرف جرّ محذوف مع الفعل الذي يتعلّق به، والتّقدير: وافعلوا بأرجلكم الغسلَ، أو أنَّ الخفض للأرجل إنّما كان لأنّها من بين الأعضاء المغسولة مظنّة الإسراف المنهيّ عنه، فَعُطِفَتْ على العضو الممسوح للتّنبيه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء عليها. ثمّ اختار الرُّعينيُّ تأويلَ ابنِ الحاجبِ (646 هـ) شيخِ القرافيِّ، وهو أنَّ هذا الموضعَ شبيهٌ بباب: [الرجز]

(1) البيت لعُقَيْبَةَ بن هُبَيْرَةَ الأسديّ. (ينظر: الكتاب: 1/ 67، و: سِمط اللآلي: 1/ 148) .

(2) الذّخيرة (كتاب الطّهارة) : 1/ 269 - 270.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت