فهرس الكتاب

الصفحة 378 من 462

قال القرافيّ: «من خصائصها [1] : أنَّ النّفي يختلف حكمه فيها متقدّمًا ومتأخّرًا، بخلاف سائر صيغ العموم؛ فإن تأخّرَ اقتضى سلب الحكم عن كلّ فرد، فتكون القضيّة كلّيّة؛ وإن تَقَدَّمَ النّفي بطل حكم العموم، وصارت القضيّة جزئيّة لا كلّيّة ... فإذا قلت: ما جاءَني كلّ إخوتك، أو: ما قبضْتُ كلّ الدّراهم، لم يكن معناه العموم، بل الخصوص، وأنَّ النّفي مقتصر على بعض الإخوة، وبعض الدّراهم، بمنطوق اللّفظ، ويدلّ من جهة المفهوم على أنَّ البعض الآخَرَ جاء من الإخوة، وقُبِضَ من الدّراهم، فلا تكون هذه الصّيغة معدودة من صيغ العموم حينئذ. أمَّا لو تأخّر النّفي، فقلت: كلّ الدّراهم لم أقبضها - برفع (كلّ) على أنَّهُ مبتدأ -، لكان ذلك نصًّا بالنّفي على كلّ درهم، وتكون الصّيغة حينئذٍ من صيغ العموم. فإذا نصبتَ (كلاًّ) فقلتَ: كلّ الدّراهم لم أقبض، أو لم أقبضْهُ، فكلاهما سواء في عدم العموم؛ أمَّا مع تفريغ الفعل، فلأن المفعول الذي هو (كلّ) ، وإن كان مقدّمًا على النّفي، غيرَ أنَّ المنفيّ في نيّة التّأخير، والعامل في المفعول هاهنا في نيّة التّقديم، فكان حكمه حكم ما إذا قال: لم أقبض كلّ الدّراهم؛ أنَّهُ جزئيّةٌ لا كلّيّة؛ وأمَّا إذا اشتغل الفعل بالضّمير مع النّصب، فلأنّا نُضْمِرُ فعلًا متقدّمًا على (كلّ) يدلّ عليه ما بعدَهُ، فيصير اللّفظ جزئيّةً بذلك الفعل المضمر المقدّم على (كلّ) ، فهما سواء حينئذ. وهذا السّرّ هو الباعث للشّاعر على رفع (كلّ) في قوله: [الرجز]

قد أصبَحَتْ أمُّ الخيارِ تَدَّعي ... عَلَيَّ ذنبًا كُلُّهُ لم أصْنَعِ [2]

برفع (كلّ) ، مع أنَّ الفعل مُفَرّغ له، بسبب أنَّهُ لو نصب (كلّ) لكان في نيّة التّأخير، والفعل في نيّة التّقديم، فيكون قد نفى بعض الذّنب لا كلّه، ومقصودُهُ البراء مطلقًا، فلا يحصل مقصوده حينئذ. أمَّا إذا رفع كان النّفي عامًّا، فيحصل مقصوده حينئذ. هذا حكم (كلّ) في تقدّم النّفي وتأخّره، وأمَّا في الثّبوت فالحكم واحد في التقدّم والتأخّر. ولم أعلم في لسان العرب صيغة اختلف الحكم فيها في النّفي في التّقدّم والتّأخّر إلاّ هذه الصّيغة، وهي صيغة (كلّ) ، وأنّها تكون مع فِعلٍ للعموم، ومع آخَرَ

(1) أي (كلّ) .

(2) البيت لأبي النجم العِجليّ. (ينظر: ديوانُهُ: 132) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت