جَوَّزَت العربُ أن يُلْحَقَ به ما في معناه، لا بمعنى الكلّيّات المتقدّم ذكرُها، بل بمعنى القياس، وهذا موضع النّزاع، وما نَقَلْتُموهُ، فلم يحصل المطلوب. وتعليلُ الوَضعِ ليسَ كافيًا في ذلك، حتّى قال بعض الفضلاء: العلل العقليّة، والشّرعيّة، والعاديّة تَتْبَعُها أحكامُها، والعلل اللّغويّة بعكس ذلك - تَتْبَعُ أحكامَها؛ فننظر أيَّ شيءٍ وَضَعُوا عَلَّلْناهُ، لا أنّا نثبِتُ وَضعًا لأجْلِ علّةٍ. وهذا فرق عظيم بين الأبواب، فتأمّله.» [1] .
وحاصل ما ذكره القرافيّ هنا أنَّ الأقيسَةَ المذكورةَ ليست من القياس في شيء، وإنّما هي من قبيل إدراج جزئيّ تحت كليّ، وإدراج الفرد تحت الكلّيّة، كما تَقَدّمَ بيانُهُ في الفاعل والمفعول. ومن هذا القبيل قولهم: إنّما رُفِعَ ما لم يُسَمَّ فاعله لاستناد الفعلِ إليه تشبيهًا بالفاعل، فإنَّ هذا حكاية الواقعِ، وإنّما يكون قياسًا لو جهلوا حكمهُ أولًا، ثمّ ألحقوه بالفاعل للاشتراك في هذا المعنى، أمَّا إذا كان رفعُهُ منصوصًا عليه عند أهل الشأن، فالتّنبيه على اندراجه تحت كليّة ما إنّما هو تصحيح لما استنبطوه من المعنى ببيانِ الاطِّرادِ [2] .
وذِكْرُ الفروق بينَ العلل اللّغويّة وغيرها من العلل الأُخرى من المباحث النفيسة التي تضع البذور الأوّليّة لدراسات لغويّة ناضجة امتدت حتّى عصرنا الحاضر، ولَمّا يُنْتَهَ بَعْدُ من الإشكالات التي تعتورها.
وقد كان للقرافيّ في هذا الحقل القِدْحُ المُعَلَّى؛ إذ لَمَّ شَتاتَ ما ذَكَرَهُ الأُصوليّون واللُّغويّون في إطار نظريّةٍ متماسكةٍ قويّةٍ، على حين اكتفى غيره بإيراد نُتَف عن هذا الموضوع؛ فقد أشار الزّركشيُّ (794 هـ) إلى اشتراك العلل العقليّة والشّرعيّة في تَقَدّم العلّة فيها على المعلول [3] ، ومَيَّزَ محمّد بنُ الطَّيِّبِ الفاسيُّ (1170 هـ) [4] بين العِلَل النّحويّة وغيرها من العلل بأنّ النّحويّة مُنَاسَباتٌ تُذْكَرُ بعد
(1) نفائس الأُصول في شرح المحصول: 8/ 3755.
(2) ينظر: نفائس الأُصول في شرح المحصول (في جواز القياس في اللُّغات) : 8/ 3762.
(3) ينظر: البحر المحيط في أُصول الفقه: 5/ 121 - 122.
(4) هو أبو عبد الله، شمس الدّين، محمّد بن الطَّيِّب بن محمّد بن موسى، الفاسيّ الصُّمَيْليّ المدنيّ المالكيّ، المشهور بالشَّرْكَيّ. بَرَعَ في اللُّغة والعربيّة والحديث والتّفسير والفقه. من أهمّ كتبه: إضاءة الرّاموس وإضافة النّاموس على إضاءة القاموس، وفَيض نشر الانشراح من روض طيّ الاقتراح. (ينظر: مقدّمة تحقيق فيض نشر الانشراح: 1/ 19 - 41) .