فهرس الكتاب

الصفحة 415 من 462

متوقِّفًا برهةً عند ابن قيِّم الجوزيّة، الذي أظهرتْ مباحثُهُ الفروقيّة ملامِحَ وارثٍ شرعيٍّ يكاد يكون وحيدًا من بينِ من كَتَبَ في هذا المجال.

وأوَدُّ أن أشيرَ هنا إلى ما كان من اعتيادِ عددٍ من الباحثينَ في مِثْلِ هذه المناسَباتِ أن يعقِدوا موازَناتٍ بينَ ما أنتَجَهُ العربُ، وما أتى به الغربُ في ميادين المعرفة المختلفة، مهما تكُنْ مقوّمات هذه الموازنات وشروطُها غيرَ متوافِرَةٍ كثيرًا ولا قليلًا، ولكنّه التكلّفُ والتزيُّدُ في غيرِ ما طائلٍ. ولذا، لم أتكلَّفْ في بحثي موازنَةً لا تنهض على قَدَم ولا تقوم على ساقٍ، غيرَ أنَّ الإسهام الكبير للفكر اللُّغويّ الغربيّ الحديث في مجال الفروق في اللُّغة يَشُدُّني هنا إلى وقفة تأمّل قصيرة.

فقد لاحظُتُ - في أثناء مطالعاتي المتواضعة لِما أثمرَتْهُ قرائحُ العقول في الغرب - أنَّ الفروق من أهمّ اللّبنات التي أُسِّسَ عليها الفكر اللُّغويّ الغربيّ الحديث، بل لَعَلّي لا أُبالغ إذا ما قُلْتُ إنّها اللّبنةُ الأساسيّة التي شادَ على أساسِها أساطينُ اللُّغة في الغرب نظريّاتِهم اللّغويّة.

وما ثُنائيّات فرديناند دي سوسير المشهورة التي عُدَّتْ صُوًى ومناراتٍ اهتدى بها مَن جاء بعدَهُ، سوى حالاتٍ (فروقيّةٍ) بين مصطلحاتٍ ومناهجَ صاغَ بوساطتها نظريّةً متكاملةً، هي حتّى يومِنا هذا مصدرُ إشعاعٍ لجميع المشتغلينَ بالعلوم اللّغويّة. ومن أمثلة هذه (الثنائيّات الفروقيّة) : ثنائيّة (اللُّغة / الكلام) ، وثنائيّة (الآنيّة / الزّمانيّة) ، وثنائيّة (الشكل / المادّة) [1] .

وتلقَّفَ جاكوبسون (أحدُ أعمدة حلقة براغ اللّغويّة) منهجيّة (الثنائيّات السوسيريّة) ، مُطوِّرًا إيّاها تطويرًا كبيرًا في مجالات صوتيّة وتواصليّة عميقة [2] .

ثُمَّ كان التطوير المهمّ، والبناء الشّامخ الذي أرسَتْ دعائمَهُ المدرسة التوليديّة التحويليّة، التي تأثّرت تأثُّرًا كبيرًا بثنائيّات سوسير الفروقيّة، واشتقَّتْ ثنائيّاتٍ أُخرى أكثرَ ملاءَمةً لمعطَيات الدّرس اللُّغويّ الحديث؛ إذ صاغ رائدُ هذه المدرسة (جومسكي) مجموعةَ ثنائيّات بنى عليها نظريّته المشهورة في (البنى النّحويّة) . ومن

(1) ينظر: موجَز تاريخ علم اللُّغة في الغرب: 319 - 320.

(2) ينظر: النظريّة الألسنيّة عند رومان جاكوبسون: 33 - 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت