فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 462

وفي ضوء ما مضى ربَّما كان من المتوقَّع أن أُفْرِدَ لكلّ من العبارات والتّراكيب اتّجاها خاصًّا، لتَغايُرِ مدلول إحداهما عن الأخرى، ولكنِّي آثَرْتُ دَمجهما في اتّجاه واحد، لسببينِ؛ أحدهما نَظَريّ، وهو أنَّ علماءَ العربيّة والأُصول تناولوا مظاهِرَ تركيبيّةً مختلفة في باب التّركيب، جاعِلينَ التّركيب الإضافيّ - وهو أحد أنواع العبارات عندَ المُحْدَثينَ - قسمًا منه؛ فقد عَرَّف الإسنويّ (772 هـ) [1] اللّفظَ المركَّب بأنَّهُ اللّفظ الذي دل جزؤه على جزء المعنى المستفاد منه، سواءٌ أكان تركيبُهُ تركيبَ إسنادٍ، كقولنا: قام زيدٌ، وزيدٌ قائِمٌ؛ أم تركيبَ مَزْج، كخمسة عَشَر؛ أم تركيبَ إضافةٍ، كغُلامِ زيدٍ [2] . والسَّبب الآخر تطبيقيّ عمليّ، وهو أنَّ الذين ألَّفوا فيهما لم يَفْصِلوا بينَهما، بل تناولوهما تناولًا واحدًا من غير تمييز بينهما، فوافَقَ التطبيقُ النظريّة.

وقد كان من أهمّ عوامل ظهور نمط التأليف في الفروق بين العبارات والتّراكيب وجودُ نَمَط مقابِلٍ من التأليف في التّرادف بينَها، تَكَرَّسَ وقَوِيَ في القَرن الرابع الهجريّ، عَصْرِ انحطاط النّثرِ الفنّي وتَحَوُّلِهِ إلى زخارفَ لفظيّة جوفاء، بسبب إعلاء مرتبة القوالب اللفظيّة على المضامينِ العالية، فَظَهَرَتْ كُتُبٌ تَجمع الكثير من هذه القوالب الجاهزة، وتَسوقُ العِبارات والتّراكيب المتقاربة في دلالاتها، التي يُدَّعى فيها إمكان إحلالِ تركيبٍ ما مَحَلَّ تركيبٍ آخَرَ، يخالِفُهُ في ألفاظِهِ، ويوافِقُهُ في معناه [3] ؛ نحو قول القائل: «لَمَّ فلان الشَّعَث، ... . وسَدَّ الثّغرَ، ورَقَعَ الخَرْقَ، ورَتَقَ الفَتْقَ، وأصْلَحَ الفاسِدَ، ... وجَمَعَ الشّتاتَ، وجَبَرَ الوَهنَ» [4] .

(1) هو عبد الرحيم بن الحسن بن عليّ بن عمر بن عليّ بن إبراهيم، جمال الدّين أبو محمّد الإسنويّ الفقيه الشافعيّ الأُصوليّ النّحويّ العَروضيّ. بَرَعَ في الفقه والأصلينِ والعربيّة. من أهمّ كتبه: (شرح منهاج الفقه) ، و (الفروق) ، و (شرح منهاج البيضاوي) . (ينظر: بغية الوعاة: 2/ 92 - 93) .

(2) ينظر: نهاية السّول في شرح منهاج الأُصول: 2/ 40.

(3) ينظر: المدخل إلى مصادر اللُّغة العربيّة: 88.

(4) الألفاظ الكتابيّة: 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت