العبادات» [1] ؛ ذلك أنَّ الأعمال «إمَّا فِطْرِيّة جِبِلِّيّة، وإمَّا تكليفيّة عِبادِيّة ... ، وما أمَرَ اللهُ به وكَلّفَ عبادَهُ قد يتشابَه بما يقومُ به الإنسانُ من العادات، استجابةً للغريزة والفِطْرة والحاجة، ولا يُمَيِّزُ بين الأمْرَيْنِ، ولا يفرق بينَ المتشابهينِ إلاّ النيّةُ» [2] ، وأنَّ ما شَرَعَهُ اللهُ تعالى من الطاعات، وتَعَبَّدَنا به من القربات متفاوتٌ في درجاته ومراتِبِهِ؛ فمنه ما هو مفروض، ومنه ما هو مندوب، ومنه ما هو راتب، ومنه ما هو غيرُ راتب، ومنه ما هو أداءٌ، ومنه ما هو قضاءٌ، فلا تكفي في ذلك كلِّه نِيّة القُربةِ المجرَّدَة من غيرِ تعيينِ الرتبة [3] . ولذلك، كان «من حكمة مشروعيّة النيّة: تمييزُ العادات من العبادات، وتمييزُ مراتب العبادات بعضها من بعض» [4] .
وإذا كان الكتابُ في أصل فكرتِهِ ذا صِلَةٍ ماسَّةٍ بالدّلالة الفقهيّة للنيّة وأقسامِها، فإنَّ معالجة الموضوع كانتْ بوّابَتُها دراسةَ الفروق اللّغويّة بين (النيّة) وعَدَد من الألفاظ المشابهة لها في دلالتها، وبين (العَمَل) وعَدَد آخَر من الألفاظ المشابهة له دلاليًّا، من أجْلِ الوصول إلى فَهم دقيقٍ لدلالة الحديث النّبويّ الشّريف: «الأعمالُ بالنيّات» [5] .
وقد صَرَّحَ القرافيّ بأنَّ هاجسَ البحث في الفروق اللّغويّة بين تلك الألفاظ كان هو الباعثَ على تأليف الكتاب؛ فقال: «إنَّ الباعثَ لي على هذا الكتاب مَباحِثُ وَقَعَتْ للفضلاء، تَشَوَّفَت النفوسُ إلى الكشف عنها، وتَمَنَّت الصوابَ منها، منها: قولُ بعض الفضلاء: لِمَ قال صلّى اللهُ عليه وسلّم: «الأعمالُ بالنيّات» ، ولَمْ يَقُلْ: الأعمال بالإرادات؟، وما الفرقُ بين (نَوى) ، وبين: أرادَ، واختارَ، وعَزَمَ، وعَنَى، وشاءَ، واشتهى، وقَضَى، وقَدَّرَ؟، وهل هي مترادفة أو متباينة؟، ولِمَ لَمْ يَقُلْ عليه السَّلام: الأفعالُ بالنيّات، بل قال: «الأعمال بالنيّات» ؟، وما الفرقُ بين: عَمِلَ، وفَعَلَ،
(1) القواعد الكبرى: 1/ 311.
(2) النيّة وأثرها في الأحكام الشرعيّة: 1/ 193.
(3) ينظر: القواعد الكبرى: 1/ 312.
(4) النيّة وأثرها في الأحكام الشرعيّة: 1/ 193.
(5) ينظر: الأُمنيَّة في إدراك النيّة: 3 - 16.