فهرس الكتاب

الصفحة 1046 من 1664

في السابع من هذا الشهر نشرت مجلة »تايم « الاميركية مقالا لكاتب اسمه » ديفيد بيما « عنوانه » الوهابية.. دين سام « اي من السُّمْ. ونشر المقال في زاوية او صفحة تقول بان النقاش يدور حول » اذا كان دين الدولة السعودية هو المسؤول عن عدم التسامح، او ان المسألة هي مجرد سوء فهم«.

يحتوي المقال على كثير من المغالطات والافتراءات على الوهابية، وجاء فيه ما نصه: »ان الحركات الدينية قد تكون نتيجة رؤيا في المنام، فقد قيل انه كان في شبه جزيرة العرب في القرن الثامن عشر رجل عاش في ولاية نجد، وقد رأى هذا الرجل في المنام نورا او شعاعا يخرج من جسمه وينتشر الى مسافات بعيدة وعميقة بحيث يغطي الخيام في الصحراء والمدن على السواء، فذهب الى شيخ دين ليفسر له هذه الرؤيا، فقال له الشيخ بان ولده سيأتي بدين جديد تتبناه صحراء العرب وتؤمن به«.

ويقول هذا الكاتب بان الرؤيا لم تتحقق في ابن الرجل وانما في حفيده، وان اسم هذا الحفيد كان »محمد بن عبدالوهاب « (الذي تُنسب اليه الحركة الوهابية) ، ويسترسل الكاتب قائلا بان » صورة الاسلام التي رآها محمد بن عبدالوهاب في الاربعينات من القرن الثامن عشر، اي حوالي عام 1740م، هي التي اصبحت عليه اليوم (الوهابية) ، وصارت الدين الرسمي للدولة السعودية، ثم يتساءل: هل الوهابية مرادفة للعنف، وتفرض الحرب على الغرب كجزء من عقيدتها الاساسية؟ او ان العنف شوّه الوهابية لاعطاء شرعية مزيفة لمتشدديها؟ ثم يستشهد بما قاله »ستيفن شوارتز « مؤلف كتاب » الاسلام في العربية السعودية« بانه حينما تصبح الوهابية العقيدة الرسمية، فانه ينبغي ان يكون هناك ارهاب دولة، وهو يقول بان كثيرا من المؤرخين الدينيين وعلماء الاجتماع يعتقدون بان الدين المؤسس والقائم على مبادىء متشددة وغير متسامحة يقصر الدعوة على العنف.

ويتناول الكاتب سيرة »محمد بن عبدالوهاب «، ويقول بانه ولد في بلدة صغيرة في الجزيرة العربية سنة 1703م ابان الحكم التركي العثماني، وله كتاب اساسي اسمه » كتاب الوحدة« حاول فيه استعادة ما اعتقد انه اصل الاسلام وجوهره، وذلك بالتخلص من البدع التي لوثت او لطخت ديانة التوحيد الاساسية، وقد وضع في لائحة الفساد الذي ينبغي التخلص من الشيعة والصوفيين، وانه نبذ معظم اجتهادات المجتهدين الاربعة في الاسلام، والتزم بالتفسير الحرفي للنصوص الدينية وتطبيق العقاب البدني.

ويقول الكاتب بان هذا المذهب الجديد (يقصد الوهابية) لا مكان فيه للحرية ولا لحقوق الانسان، علاوة على الفصل بين المسجد والدولة، وقد اتخذ محمد عبدالوهاب - كما قال الكاتب - موقفا عدائيا تاريخيا من اليهود والنصارى، ونادى بتأخير الجهاد حتى يمكن اولا تكوين دار الإسلام مقابل دار الحرب، ويؤكد الكاتب بان محمد بن عبدالوهاب نشر دعوته بالسيف في الجزيرة العربية، وذلك حينما تبناها زعيم او شيخ قبيلة نجدية اسمه »محمد بن سعود« في عام 1744م، واعجب بها، وعدها ايديولوجية مقبولة ترى في العثمانيين اجانب احتلوا البلاد بالقوة، وقد امدته الوهابية بالمصداقية لتشكيل حملة مسلحة للاستيلاء على مكة والمدينة. وكانت نتيجة الشراكة بين الرجلين ان محمد بن سعود استقل بالحكم بينما اعطيت السلطة المدنية والقضائية للشيخ محمد بن عبدالوهاب، وقويت العلاقة بينهما بالمصاهرة حيث تزوج ابن سعود ابنة محمد بن عبدالوهاب.

ويربط الكاتب بين المجاهدين ضد السوفيات في افغانستان في الثمانينات من القرن الماضي الذين قدموا من السعودية والمجاهدين المصريين الذين اعتنقوا تعاليم »سيد قطب« التي تعتمد القوة والعنف من اجل التحرير. ويقول بأن الوهابيين تبنوا هذه التعاليم، وصاروا ينادون بالجهاد ضد الكفار والاستعماريين الجدد، اي الغرب.

ان من ابرز مغالطات الكاتب وتحامله على الوهابية، وصفه لها بأنها دين جديد جاء به »محمد بن عبدالوهاب « الذي كان جده ـ كما زعم ـ قد رأى دلالات دعوته في المنام، وان الحركات الدينية قد تكون - كما قال - ناتجة عن احلام، مما يجعل القارىء يشكك في الحركات الدينية الاصلاحية، وكما يعرف الجميع فان الوهابية ليست دينا جديدا، ولا حتى مذهبا اسلاميا، كما يعتقد البعض، وانما هي حركة سلفية اصلاحية دينية قادها وحمل لواءها قبل محمد بن عبدالوهاب الامام ابو العباس تقي الدين احمد بن عبدالحليم المعروف بابن تيمية الحراني مولدا » نسبة الى مدينة حران في تركيا حاليا « والدمشقي اقامة، والمتوفى عام 1328م. اما الشيخ محمد بن عبدالوهاب المولود في بلدة » العيينية « بنجد، فقد جاء بعد ذلك، وتلقى تعليمه الديني في نجد ثم سافر الى الحجاز والعراق وسوريا حيث تأثر بأفكار » ابن تيمية « وتلميذه » ابن الجوزية«، واخذ عنه تفسيره للمذهب الحنبلي، ولذلك فقد اخطأ الكاتب حينما زعم بان محمد عبدالوهاب نبذ معظم اجتهادات المجتهدين في الاسلام، وهم كما نعلم: ابو حنيفة والشافعي ومالك وابن حنبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت