فهرس الكتاب
وقال صلى الله عليه وسلم:"يليكم عمال من بعدي يقولون ما يعلمون، ويعملون بما يعرفون، وطاعة أولئك طاعة، فتلبثون كذلك دهرًا، ثم يليكم عمال من بعدي يقولون ما لا يعلمون، ويعملون ما لا يعرفون، فمن ناصحهم ووازرهم وشد على أعضادهم، فأولئك قد هلكوا وأهلكوا، خالطوهم بأجسادكم وزايلوهم بأعمالكم" [ أخرجه الطبراني، السلسلة الصحيحة: 457. ] .
فقد هلكوا وأهلكوا .. لما يترتب على المناصحة والمؤازرة والخلطة لسلاطين الجور من تقويتهم على باطلهم وظلمهم وإعانتهم على منكرهم .. ولما يترتب عليه من إضلال للناس .. وتزيينٍ لباطل السلاطين هؤلاء في أعين الناس .. فيقولون: لولا يكون هذا الحاكم أو السلطان على حق وصواب لما خالطه هؤلاء .. ولما ناصحوه، وآزروه .. وبخاصة إن كان هؤلاء من ذوي العلم والشرف، والمكانة الرفيعة في أعين الناس!
وقال صلى الله عليه وسلم:"سيكون أمراءٌ تعرفون وتنكرون، فمن نابذهم نجا، ومن اعتزلهم سَلِم، ومن خالطَهم هلك" [ أخرجه الطبراني، صحيح الجامع: 3661. ] .
وقال صلى الله عليه وسلم:"اسمعوا هل سمعتم أنه سيكون بعدي أمراء فمن دخل عليهم فصدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، وليس بواردٍ علي الحوض، ومن لم يدخل عليهم ولم يُعنهم على ظلمهم، ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه، وهو واردٌ علي الحوض" [ صحيح سنن الترمذي: 1843.] .
وقال صلى الله عليه وسلم:"من أتى أبواب السلطان افتتن، وما ازداد أحد من السلطان قربًا إلا ازداد من الله بعدًا" [ أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة:1272.] .
وقال صلى الله عليه وسلم:"من أعان ظالمًا بباطلٍ ليدحض بباطله حقًا برئ من ذمة الله تعالى وذمة رسوله" [ السلسلة الصحيحة: 1020.] . وغيرها كثير من الأحاديث التي تحض على اعتزال سلاطين الجور .. واعتزال العمل عندهم!
قلت: إذا كان هذا هو موقف الشرع من سلاطين الجور من المسلمين .. فكيف يكون الموقف من سلاطين الكفر والردة .. لا شكّ أن الاعتزال حينئذٍ يكون أوكد .. وأكثر إلحاحًا!
ـ استدراك وتنبيه: وهو من نقطتين:
1-ما تقدم لا يتعارض مع ما يجب على المسلم ـ وبخاصة إن كان من ذوي العلم ـ من الصدع بالحق أمام سلاطين الجور .. وما يجب عليه نحوهم ونحو غيرهم من أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ..!
كما في الحديث:"سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائرٍ فأمره ونهاه فقتله" [ أخرجه الحاكم، السلسلة الصحيحة:491.] .
وعن عبادة بن الصامت، قال:"بايعنا رسول الله على أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومةَ لائمٍ"متفق عليه.
لكن ينبغي الانتباه أن لا يكون ذلك ذريعة للخلطة، والركون للظالمين والميل إليهم وإلى مجالسهم .. إذ لا يسلم من ذلك إلا من رحم الله؛ فكم من عالم دخل على سلاطين الجور ليأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر .. فغير وبدل ـ رهبةً أو رغبةً ـ فأمرهم بالمنكر، ونهاهم عن المعروف .. وأثنى، ومجّد، وبجّل بالباطل .. وبما ليس فيهم .. فكان بذلك كشاهد زور!!
2-رغم ما يجب على المسلمين من اعتزال سلاطين الجور كما تقدم .. إلا أنه يجب عليهم طاعتهم بالمعروف .. وأن ينفروا معهم لجهاد العدو من الكفرة المجرمين لو استنفروهم؛ لأن عقيدة أهل السنة والجماعة قد مضت بأن الجهاد ماضٍ مع كل برٍّ وفاجر .. لا يجوز تعطيله في أي حالٍ من الأحوال .. لما يترتب على تعطيله من مفاسد جسام لا يُحمد عقباها ..!
ثالثًا: الظالمين من ذوي الذنوب والمعاصي:
ونعني بالذنوب والمعاصي التي هي دون الكفر .. وهجر هؤلاء يحتاج لفقه وتقوى .. إذ الهجر يكون على قدر الذنوب والمعاصي وحصول الانحراف .. وفي حال رجح الظن أن هذا النوع من الهجر هو نافع لهؤلاء الظالمين .. ولغيرهم ممن قد يتأثرون بهم .. كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجر الصحابة الذين تخلفوا عن الغزو معه في تبوك .. وقد حصل لهم من جراء هذا الهجر الخير الكثير.
أما إن ثبت أن هذا الهجر يضر ولا ينفع .. وهو لا يزيد أصحاب الذنوب إلا غيًا وفسادًا .. فحينئذٍ يحرم هجرهم لحصول المفسدة .. ولوجود عقد الإسلام الذي يوجب الموالاة والوصل.
فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا يحل لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاثِ ليالٍ"متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم:"لا يكون لمسلمٍ أن يهجر مسلمًا فوق ثلاثةٍ، فإذا لقيه سلّم عليه ثلاثَ مرارٍ كل ذلك لا يردُّ عليه، فقد باء بإثمه".
الجواب:
الحمد لله رب العالمين. قد وردت بعض الأحاديث في بيان فضل ملازمة بعض المواطن والأمصار، وفضل السُّكنى فيها، منها: المدينة المنورة، والشام.
(1) -انظر المصدر السابق