فهرس الكتاب
وكل من يقدر على ترك السكنى في بلاد الكفر، فلا يجوز له البقاء فيها خشية الفتنة على نفسه وأسرته، ومن اضطر إلى البقاء فيها - والله أعلم بالمضطر - ولم يجد مسلمة يحصن بها نفسه وخاف على نفسه الزنا فيجوز له - من باب الاضطرار - أن يتزوج الكتابية - اليهودية أو النصرانية التي ما زالت تعترف بدينها ولم تتنكر له بالإلحاد - ولكن يجب عليه أن يتخذ الوسائل التي تمنعها من الإنجاب له، لأنه إذا أنجبت له أولادًا خاف عليهم من إفسادهم بتنشئتهم على الكفر وعادات الكفار، فإنه شبيه بالأسير في بلاد الحرب والتاجر، وقد مضى بأنهما لا يتزوجان الكتابية ولا يطآن زوجاتهما المسلمات، خشية من اعتداء الكفار عليهن وإنجابهن أولادا ليسوا من أزواجهن المسلمين [كما مضى في الفصل الثاني] إلا أنني أرى أن الزوجة المسلمة يمكن لزوجها أن يطأها وينجب منها إذا كانت صالحة، وغلب على ظنه تمكنه من تربية أولاده منها في بلاده، أو في مدرسة إسلامية في نفس البلاد التي يعيش فيها كما مضى، وإنما قلنا بوجوب اتخاذ الوسائل التي تمنع الإنجاب من الكتابية، لما مضى من المفاسد المترتبة على الزواج بها في بلاد الكفر، ومن ذلك تنشئة الأولاد على الكفر وأخلاق الكفار، فإذا غلب على ظنه تنشئتهم على الإسلام، فلا يجب عليه حينئذ أن يتخذ وسائل عدم الإنجاب، وهذا يشمل المسلم الوافد إلى بلاد الكفر والذي يدخل في الإسلام من أهل ذلك البلد.
النتائج
وبعد فإن الصحيح ما عليه جمهور علماء المسلمين من جواز زواج المسلم بالكتابية في بلاد المسلمين - وهي الذمية التي تخضع لأحكام الإسلام العامة - وأن الأفضل - مع الجواز - ترك ذلك وقد كرهه أغلب العلماء.
وأنه لا يجوز للمسلم الزواج بالحربية، وهي الكتابية التي تعيش في بلاد الحرب، على الصحيح من أقوال العلماء.
وأن بلاد الكفر اليوم حكمها حكم بلاد الحرب في هذا الحكم بالذات، لأن المفاسد التي تترتب على زواج المسلم بالكتابية في بلاد الحرب، تترتب على زواج المسلم بالكتابية في بلاد الكفر اليوم.
وإذا دعت الضرورة أن يتزوج المسلم بالكتابية في بلاد الكفر وغلب على ظنه أن ذريته ستنشأ تنشئة إسلامية، فلا يجب عليه أن يتخذ الوسائل التي تمنع الإنجاب، وإن غلب على ظنه عكس ذلك وجب عليه اتخاذ ذلك.
أما إذا غلب على ظنه فتنته هو في دينه أو فتنة أولاده منها أو من غيرها، فإنه لا يجوز له أن يتزوج بها مطلقًا، وعليه أن يتقي الله ويبتعد عن الحرام ويبحث عن زوجة مسلمة صالحة.
هذا ما ظهر لي في هذا البحث، فإن كان صوابًا فالله هو الذي وفقني للوصول إليه، وإن كان خطأ فأستغفر الله وأتوب إليه، وفي كلا الأمرين أسأل الله ثوابه فإني ما قصدت إلا رضاه.
فرغت من هذا البحث في الساعة السادسة من صباح يوم السبت الموافق 8/2/1407 هـ في المدينة المنورة …
وقد أكملت مراجعته، وتصحيحه، مع إضافات جديدة إليه، في الساعة الواحدة، بعد منتصف ليلة الثلاثاء 25/7/1423هـ ـ 1/10/2002م
في منزلي بالمدين النبوية الكائن في حي الأزهري، شمال طريق أبي بكر الصديق.
[ وأصل هذا البحث محاضرة عامة، ألقيت في قاعة المحاضرات العامة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في 10/2/1407هـ ]
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه
د . عبد الله قادري الأهدل
للأستاذ/ سالم مبارك الفلق
بسم الله الرحمن الرحيم
اللغة العربية: التحديات والمواجهة
الحمد لله الذي رفع هذه اللغة و أعلى شأنها , حيث أنزل بها خير كتبه و أفضلها , والصلاة و السلام على أفصل الأنبياء و خاتم المرسلين , نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
أما بعد:ــ
إن لغتنا العربية هي ركن ثابت من أركان شخصيتنا , فيحق لنا أن نفتخر بها , و نعتز بها و يجب علينا أن نذود عنها و نوليها عناية فائقة . و يتمثل واجبنا نحوها في المحافظة على سلامتها و تخليصها مما قد يشوبها من اللحن و العجمة و علينا أن لا ننظر إليها بوصفها مجموعة من الأصوات و جملة من الألفاظ والتراكيب بل يتعين عينا أن نعتبرها كائنًا حيًا , فنؤمن بقوتها و غزارتها و مرونتها وقدرتها على مسايرة التقدم في شتى المجالات كما تعد مقومًا من أهم مقومات حياتنا وكياننا، وهي الحاملة لثقافتنا ورسالتنا والرابط الموحد بيننا والمكون لبنية تفكيرنا، والصلة بين أجيالنا، والصلة كذلك بيننا وبين كثير من الأمم .
إن اللغة من أفضل السبل لمعرفة شخصية أمتنا وخصائصها، وهي الأداة التي سجلت منذ أبعد العهود أفكارنا وأحاسيسنا. وهي البيئة الفكرية التي نعيش فيها، وحلقة الوصل التي تربط الماضي بالحاضر بالمستقبل. إنها تمثل خصائص الأمة واستطاعت أن تكون لغة حضارة إنسانية واسعة اشتركت فيها أمم شتى كان العرب نواتها الأساسية والموجهين لسفينتها .
ما اللغة:-