فهرس الكتاب
ولو هاجر فإن من لوازم هجرته أن يفارق هذه الأمور المذكورة آنفًا وإلا ما فائدة هجرته.
ثامنًا: كون الأرض دار كفر ، أو دار إيمان ، أو دار فاسقين ليست صفة لازمة لها بل هي صفة عارضة بحسب سكانها ، والحكم الذي تحكم به ، فكل أرض سكانها المؤمنون المتقون ، وحكمت بشرع الله تعالى فهي دار أولياء الله في ذلك الوقت وكل أرض سكانها الكفار ، أو حكمت بغير الإسلام فهي دار كفر في ذلك الوقت وكل أرض سكانها الفساق فهي دار فسق في ذلك الوقت فإن سكنها غير ما ذكرنا وتبدلت بغيرهم فهي دارهم ، تمتمًا كما يقال في المسجد إذا تبدل بخمارة أو صار دار فسق ، أو دار ظلم ، أو كنيسة يشرك فيها بالله ، كان بحسب سكانه ، وكذلك دار الخمر والفسوق ، ونحوها إذا جعلت مسجدا يعبد الله فيه جل وعز ، كان بحسب ما يكون ، وكذلك الرجل الصالح يصير فاسقا ، والكافر يصير مؤمنا ، أو المؤمن يصير كافرا أو نحو ذلك ، كل بحسب انتقال الأحوال ، من حال إلى حال وقد قال تعالى { وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة } الآية نزلت في مكة لما كانت دار كفر وهى ما زالت في نفسها خير ارض الله ، وأحب أرض الله إليه ، وإنما أراد سكانها ، والشرعة التي تحكم بها فقد روى الترمذي مرفوعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لمكة وهو واقف بالحزورة ( والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أن قومي أخرجوني منك لما خرجت ) وفى رواية ( خير أرض الله وأحب أرض الله إلى ) فبين أنها أحب أرض الله إلى الله ورسوله وكان مقامه بالمدينة .
لذا لا ينبغي أن يتساءل المسلم المهاجر ، ويقول كيف أهاجر من بلد فاضل إلى مفضول ؟!
والجواب أن العبرة ليست بمسألة الفاضل والمفضول ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالهجرة من خير بلاد الله ، وأحبها إليه إلى ما هو دونها ، إذ العبرة والحكم معلق بالوصف العارض ، الذي يعرض للبلاد بغض النظر عن فضلها ، ومنزلتها ، ومكانها ولم يعلق الحكم بذلك ، فهذا الوصف العارض سوف يزول بأمر الله تعالى ، ليعود الوصف اللازم لتلك البلاد ، ولا عبرة بكلام وقول ابن العربي في أحكام القرآن ، أن مكة دار إسلام إلى يوم القيامة . فهذا ليس عليه دليل إطلاقًا ، ولا أثر عن الصحابة ، ولا عرف عنهم ، ولا عن السلف الصالح ومن بعدهم رضى الله عن الجميع . فمكة شرفها الله مثلها مثل غيرها في أن يطرأ عليها وصف الكفر ، وأنها دار كفر ، أو أن توصف ويقال عنها أنها دار إسلام ، وهذا حالها على مدى تاريخها الطويل شرفها الله ، وإلا بأي حق كانت تجيش لها الجيوش لكي تفتح للإسلام وأهله ، فيما غبر من الزمن وما جد ؟!!!
لا شك أن دار الإسلام التي تظهر فيها أحكام الإسلام مطبقة من غير مرية ولا تدليس ، ودار الكفر هي التي تظهر فيها أحكام الكفر على أحكام الإسلام ، و دار الحرب هي كل بقعة تكون فيها الحرب بين المؤمنين والكافرين ، وأن الدار المركبة هي ما كان أهلها مسلمون ، وحكامها يطبقون فيهم الإسلام فيما لا يتعارض مع سياستهم وبقائهم على عروشهم ، عروش الظلم ، والقهر ، والاستبداد
ولا شك أيضًا في أن أصل الهجرة وحكمها باقي ، كلما حصل موجبها ودعوى النسخ باطلة ، ولا تصح ، حيث أمكن الجمع بين الأدلة ،بل لا تعارض بينها ومدعي التعارض متكلف ما ليس له به حق .
ولاشك في وجوب الهجرة على ما مضى ذكره،لمن له القدرة عليها ، ولم يمكنه إظهار دينه،وكانت داره دار كفر،أو حرب،وأما إن كانت الدار مختلف فيها [ مركبة ] وكان في هجرته واجب لا يتم إلا به،في الدار المهاجر إليها ، وكان في هجرته تكثير سواد المسلمين وقوتهم به ولم يستطع إظهار دينه ، ووثق في البلد المهاجر إليها في تطبيق شرع الله ، وأن أحكام الإسلام هي الظاهرة ، فإن الهجرة واجبة عليه بعينه كذلك، لما مضى ذكره من الأدلة ، ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وإن لم يكن الأمر كذلك فيبقى الأمر علي السنية والاستحباب والندب لا غير شرط ، إظهار الدين .
كما أن المقصود بإظهار الدين قولًا واحدًا هو: التبري من الكافرين وتكفيرهم ،وإظهار عداوتهم ، وتسفيههم ودينهم ، والتبري ممن يقف معهم و يواليهم وإعلان هذا كله ، وما لم يكن كذلك فليس إظهارٌ للدين بل طمس للدين ومعالمه.
ومما ينبغي بحثه، و معرفته،مسألة الدار المركبة،إذا كان في الهجرة منها يحصل ما لا تحمد عقباه مثل،إحداث ثلمة في أهل الخير وترك المكان للطواغيت يعيثون في الأرض فسادًا: خلى لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري
لاسيما وبعض الشافعية يرى حرمة الهجرة من أرض تمكن المسلم من التحيز فيها وقدر على إظهار دينه في دار الحرب , ويقدر على الاعتزال في مكان خاص , والامتناع من الكفار , فهذا تحرم عليه الهجرة , لأن مكان اعتزاله صار دار إسلام بامتناعه , فيعود بهجرته إلى حوزة الكفار , وهو أمر لا يجوز لأن كل محل قدر أهله على الامتناع من الكفار صار دار إسلام . وقد مر معنا فتوى شهاب الدين الملي في أهل ( أرغون ) فيجب على المسلم التوخي قدر المستطاع ، وأن يتحرى الصواب في ذلك ثم يبني عليه .