فهرس الكتاب
يقول الشنقيطي في أضواء البيان ( 4/84) : اعلم أنه يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السماوات والأرض ، وبين النظام الذي لايقتضي ذلك .
وإيضاح ذلك أن النظام قسمان: إداري ، وشرعي . أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع ، فهذا لا مانع منه ، ولا مخالف فيه من الصحابة ، فمن بعدهم . وقد عمل عمر رضي الله عنه من ذلك أشياء كثيرة ما كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، ككتبه أسماء الجند في ديوان لأجل الضبط ، ومعرفة من غاب ومن حضر ، وكاشرائه ـ أعني عمر رضي الله عنه ـ دار صفوان بن أمية وجعله إيَّاها سجنًا في مكة المكرمة ، مع أنه صلى الله عليه وسلم لم يتخذ سجنًا هو ولا أبو بكر . فمثل هذا من الأمور الإدارية التي تفعل لإتقان الأمور مما لا يخالف الشرع لا بأس به ، كتنظيم شؤون الموظفين ،وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع ، فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لا بأس به ، ولا يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة . انتهى .
ومن يتأمل قوانين اللجوء والاستئناف المعمول بها في بلاد الغرب يجدها لا تخرج عن كونها قوانين تنظيمية وإدارية تنظم عملية اللجوء وشؤون اللاجئين وما لهم من حقوق، وبالتالي لا يجوز تحميل المعاني مالا تحتمل وإقحام التحاكم إلى الطاغوت الذي هو كفر بخالق السماوات والأرض في هذا النوع من التحاكم .
2-من يتأمل قصة لجوء الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ إلى النجاشي يجد أنهم قد اضطروا ـ بعد لجوئهم الأول ونزولهم في ديار الحبشة ـ للمثول أمام الحاكم النجاشي ـ الكافر يومئذٍ ـ مرتين بسبب مطالبة كفار قريش بهم ، وللذود عن حقهم في إبطال مزاعم قريش الباطلة فيهم ، وكان احتمال تسليمهم إلى كفار قريش في كل مرة واردًا في حال كانت حجتهم واهية أمام مزاعم قريش التي وشوا بها إلى الملك .
وبعد انتهاء الجلسة الثانية وظهور الصحابة على خصومهم كفار قريش أمام الملك ، تقول أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: فخرجا ـ أي عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة ـ من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به ، وأقمنا عنده في خير دار مع خير جار . (انظر قصة الصحابة مع النجاشي في مسند الإمام أحمد حديث رقم 1740 قال أحمد شاكر: وإسناده صحيح, وصحيح السيرة النبوية ص 101-108 )
والشاهد من هذه القصة أن تكرار الجلسة في مجلس قضاء الملك مرتين وفي زمانين مختلفين ، وفي حضور الخصوم وجميع الأطراف ، هو نفسه ما يسمى في زماننا بالاستئناف ، فهل يصح أن يقال في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم بذلك قد تحاكموا إلى الطاغوت وكفروا .. اللهم لا ، وألف لا .
ـ علمًا أنه ليس للمسلم أية حقوق شرعية يستطيع أن يُلزم بها الكفار عند لجوئه إليهم ، وطلبه الأمان منهم ، وما يتحصل عليه من حقوق في ديارهم هو من إنصاف القوم وعدلهم، وهذه الشهادة منا لا ينبغي أن يصدنا عنها عداوة القوم وشنآنهم لنا .
3-أن طالب اللجوء إنما يؤكد للطرف الآخر أنه ممن لهم الحق في طلب الأمان ، وهذا أمر لا يتعارض مع دين الله وحكمه في شيء ، وهو مما كان يمارسه ـ أي طلب الأمان والجوار من الكفار والمشركين ـ الصحابة والمسلمون الأوائل عند توفر دواعيه وأسبابه ، بينما المتحاكم إلى الطاغوت يتحاكم في أمور تضاهي وتعارض حكم الله ورسوله (7) .
وبعد هذا يتبين أن طلب اللجوء السياسي في بلاد الكفر تحت ظروف الاضطرار والإكراه بسبب فراره من الظلم لا يعد من التحاكم إلى الطاغوت,
والله أعلم ,وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
(1) -الموسوعة السياسية ، 5/467.
(2) - القاموس السياسي، ص 1043.
(3) -انظر:محمد الغزالي ، حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة ، الطبعة الأولى ، مطبعة السعادة ، 1963 ،ص 189.
(4) - في ظلال القرآن 5/2749
(5) - انظر: حقوق الإنسان بين تعليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة: ص 186
(6) - (انظر الأحكام السياسية للأقليات الإسلامية ص 56 )
(7) - (انظر حكم الاستئناف لطلب اللجوء السياسي ص 6)
الشيخ/فيصل مولوي نائب رئيس المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء 11/6/1423
السؤال: من الملاحظ في الغرب أن النساء اكثر إقبالًا على الدخول في الإسلام من الرجال ، وهي ظاهرة معروفة فإذا كانت المرأة غير متزوجة ، فلا إشكال , إلا من حيث حاجتها إلى الزواج من مسلم.
ولكن الإشكال يكمن فيما إذا كانت المرأة متزوجة ودخلت في الإسلام قبل زوجها ، أو دون زوجها ، وهي تحبه وهو يحبها ، وبينهما عشرة طيبة طويلة وربما كان بينهما أولاد وذرية . ما ذا تفعل المرأة هنا وهي حريصة على الإسلام ، وفي الوقت نفسه حريصة على زوجها وأولادها وبيتها ؟
إن عامة المفتين هنا يفتونها بوجوب فراقها لزوجها بمجرد إسلامها أو بعد انقضاء عدتها منه على الأكثر . وهذا يشق على المسلمة الحديثة العهد بالإسلام أن تفعله ، فتضحي بزوجها وأسرتها .