فهرس الكتاب
اللجوء السياسي: من المصطلحات الحديثة في الفقه السياسي لم يتعرض له فقهاء الإسلام عندما تكلموا عن عقد الأمان والمستأمن في كتب الفقه الإسلامي بهذا الاسم وإن كنا نفهم معناه عند كلامهم عن مستأمن,وقد أطلق هذا المصطلح في القانون الدولي على الحماية التي تمنحها الدولة فوق أراضيها أو فوق مكان تابع لسلطتها لفرد طلب منها هذه الحماية ، والهدف منه هو إنقاذ حياة أشخاص أو حريتهم يعتبرون أنفسهم مهددين في بلادهم (1) .فكل شخص هجر موطنه الأصلي أو أبعد عنه بوسائل التخويف والإرهاب أو الاضطهاد لأسباب سياسية أو عنصرية أو مذهبية ولجأ إلى إقليم دولة أخرى طالبًا للحماية أو العيش لحرمانه من العودة إلى وطنه الأصلي يسمى لاجئًا سياسيًا في مفهوم القانون الدولي (2) .
ومن هنا نرى أن اللجوء السياسي هو الحماية التي تمنحها دولة ما فوق أراضيها أو فوق أي مكان تابع لسلطتها لفرد طلب منها الحماية. وأما اللاجئ السياسي فهو الشخص الذي طلب تلك الحماية لأسباب معينة.
حكم اللجوء السياسي إلى البلاد غير الإسلامية:
إن مفهوم الأرض في الإسلام هو أن كل أرض لله وليست لأحد ، وأينما وجد المسلم أرضًا يمكنه أن يعبد الله فيها بحرية فهي أرضه ، وليس هناك بقعة من الأرض أحق من أخرى برسالة المسلم ، ولن يكون المسلم عبدًا لمكان ما في هذه الدنيا مرتبطًا بأسبابه (3) .
وعلى هذا الأساس نفهم قوله تعالى: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة ، فإياي فاعبدون) سورة العنكبوت:56]
قال سيد قطب في تفسير هذه الآية:"أنتم عبادي وهذه أرضي وهي واسعة ، فسيحة تسعكم فما الذي يمسسكم في مقامكم الضيق الذي تفتنون فيه عن دينكم ، ولا تملكون أن تعبدوا الله مولاكم ؟ غادروا هذا الضيق يا عبادي إلى أرضي الواسعة، ناجين بدينكم أحرارًا في عبادتكم فإياي"فاعبدون"وما دامت كلها أرض الله فأحب بقعة منها إذًا هي التي تجدون فيها السعة لعبادة الله وحده دون سواه (4) ."
كما أن الإسلام بما فيه من سماحة ويسر يقدر دوافع الإباء التي تجعل الإنسان الحر يرفض الدنية في الدين والدنيا (5) والإسلام يربي الإنسان الحر مستقلًا في رأيه ومواقفه.
وفقهاء الإسلام-رحمهم الله- لم يتعرضوا لبحث هذه المسألة إلا ابن حزم في كتاب"المحلى"وذلك أن أسلافنا ما كانوا يتصورون بعدما عاشوا في الدولة الإسلامية أعزاء أقوياء مكرمين أن يأتي زمان على المسلمين يهاجرون من بلادهم (6) .
الأدلة على جواز اللجوء السياسي إلى بلاد الكفر:
1-دخول النبي -صلى الله عليه وسلم- في جوار المطعم ابن عدي, وكان كافرًا.
2-دخول أبي بكر -رضي الله عنه- في جوار ابن الدغنة وكان كافرًا.
3-هجرة الصحابة -رضي الله عنهم- إلى الحبشة ودخولهم في جوار النجاشي وكان يومها كافرًا
4-يقول ابن حزم -رحمه الله- في المحلى ( 12/125) : وأما من فرَّ إلى أرض الحرب لظلم خافه ، ولم يحارب المسلمين ، ولا أعانهم عليهم ، ولم يجد في المسلمين من يجيره ، فهذا لا شيء عليه لأنه مضطر مكره
وقد ذكرنا أن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب ، كان عازمًا على أنه إن مات هشام بن عبد الملك لحق بأرض الروم ، لأن الوليد بن يزيد كان نذر دمه إن قدر عليه ، وهو كان الوالي بعد هشام ، فمن كان هكذا فهو معذور . انتهى ,ومعلوم أن الزهري عالم من علماء السلف ، وابن حزم يقول عنه معذور رغم أنه كان سيهاجر من أرض الإسلام إلى دار الكفر ليدفع عن نفسه الظلم والقتل . وإذا كان الأمر كذلك فيجب أن يعذر المسلم عندما يهاجر ـ تحت ظروف الاضطرار والإكراه ـ إلى دار الكفر ويطلب فيها حق اللجوء ليأمن من إعادته إلى حيث هلكته وليدفع عن نفسه الظلم والقهر.
الشروط الشرعية لجواز طلب اللجوء السياسي:
1-أن يتأكد من وقوع الظلم عليه في دار الإسلام ، ويختار الأرض التي يكون فيها آمنًا هو وأهله وأمواله ، ويمكنه أن يعبد الله بحرية أكثر من بلاد الإسلام ، فإن لم يجد فليبحث بعد ذلك بين البلاد غير الإسلامية ، وأن يكون في حماية تلك الدولة ؛ لأن الظلم في الإسلام واحد ، سواء جاء من المسلمين أم من الكافرين وما الفائدة من تغيير صاحب الظلم والفتنة ؟!
2-أن لا يعين الكفار على المسلمين بأي أسلوب من أساليب الإعانة ؛ كأن يفشي لهم أسرار المسلمين ، أو أن يقاتل معهم ضد المسلمين ؛ لأن هذا يعتبر خيانة كبرى في الإسلام.
3-أن ينوي الرجوع إلى دار الإسلام فورًا بعد أن تزول الأسباب التي من أجلها ترك دار الإسلام ، إلا إذا كان في بقائه مصلحة عامة للإسلام والمسلمين ، كأن يرجى إسلام أهل الكفر ، أو تعليم المسلمين الذين أسلموا في دار الكفر .
4-أن يكون سفيرًا للإسلام في تلك البلاد بخلقه وعمله وإخلاصه ، وأن يقوم بتعريف الناس بالإسلام ، إذا كانت تسمح له ظروف تلك الدولة وقوانينها .
إشكال وجوابه:
هل طلب اللجوء من الدول الكافرة والاستئناف أمام محاكمها من التحاكم الى الطاغوت؟
الجواب:
1-إن الاحتكام إلى القوانين الوضعية ذات الطابع الإداري والتنظيمي ، والتي لا تتعارض مع دين الله وشرعه في شيء ، لايعد ذلك من ضروب التحاكم إلى الطاغوت الذي يكفر صاحبه.