فهرس الكتاب

الصفحة 1575 من 1664

وهي في حق الداعي إلى الله عز وجل أوكد، فإنه إن لم يقدر على إقامة شعائر دينه أو كان لا يأمن على نفسه من الفتن فكيف يدعو؟! ولربما جاء ليصلح فيفسد، فتعليل من أشرت إليهم الإقامة بغرض الدعوة لا يسقط تلك الشروط.

ثم إن الدعوة إلى الله عز وجل هي أشرف الوظائف لأنها وظيفة المرسلين، وليس كل أحدٍ يصلح أن يتصدر للدعوة ويخاطر بدينه فيقيم في بلاد الكفر يزعم غرض الدعوة، بل لا بد للداعي أن تتوفر فيه مواصفات الدعاةِ إلى الله عز وجل من العلم بما يدعو إليه والعلم بحال المدعوين والعلم بطرق ووسائل الدعوة، قال الله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ {يوسف:108} ، وقال تعالى: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ {النحل:125} .

فإذا توفرت فيه تلك المواصفات جاز له البقاء وكان ذلك جهادًا في سبيل الله عز وجل، وعمله من أفضل القربات، كما قال الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ {فصلت:33} ، ولا تحدد إقامته هناك بمدة معينةٍ؛ بل له البقاء ما دام قائمًا بهذه المهمة العظيمة وتوفرت فيه شروط الإقامة ومواصفات الدعاةِ إلى الله.

وأما من لم تتوفر فيه شروط الإقامة ومواصفات الدعاة فنقول له:

فدع عنك الكتابة لست منها ولو سودت وجهك بالمداد.

ولا ينفعه تعلله بالبقاء لأجل الدعوة، وقول السائل"وهل يترك هذا النوع.... إلخ"نقول: لعله ليس من المصلحة الشرعية تقييد أمر الدعوة بالدول والحكومات التي كثير منها في حاجة إلى من يدعوها لتطبيق شرع الله ونصرة دينه؛ بل كل من كان أهلا ً للدعوة فهو مطالب بذلك سواء كان فردًا أو حكومة أو هيئة إسلامية.

والله أعلم.

المفتي: ... مركز الفتوى

تاريخ 27 جمادي الثانية 1425 / 14-08-2004

السؤال

أسأل عن شرعية الإقامة في هذه البلاد لمن أراد العيش فيها عمومًا، ولمن أراد تحصيل بعض العلم غير المتوفر في بلده أعني -أنني أنوي تكملة دراستي في المستقبل إن شاء الله، لكن حاليًا ليس لدي أي إمكانية لذلك (لا مادية ولا قانونية) - أرجو منكم مد يد العون لي وإفادتي برأي الشرع في هذين السؤالين؟ جزاكم الله خيرًا، كما أرجو أن تقدموا نصيحة للشباب الذين يعيشون في دول أوروبا هذه الفئة التي تعاني الأمرين الغربة ومشاكلها السرقة والزنا والمخدرات... إلخ، وبين العودة إلى أرض الوطن بالخيبة واليأس وربما تحطم نفسي يعانيه هؤلاء بعد سنين ضاعت دون جدوى سوى خسارة العمر، نرجو إفادتكم سواء عبر الإنترنت أو التلفزيون (أقرأ، الجزيرة....) .

الفتوى

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

أما حكم الإقامة في بلاد غير المسلمين، فانظر لمعرفته الفتوى رقم: 51334.

وأما هؤلاء الشباب الذين ذكرت، فنسأل الله أن يهدي قلوبهم، ويشرح صدورهم، وينور بصائرهم، ويأخذ بناصيتهم للبر والتقوى، وينعم علينا وعليهم بالتوبة النصوح، ويوفقنا وإياهم للسعادة في الدارين، ونقول لهم: اتقوا الله، واعلموا أن الدنيا دار ابتلاء واختبار، كما قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا {الملك:2} ، وأنها متاع فان، كما قال تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ {سورة الحديد:20} .

وأن لحظة واحدة في النار تنسي أعظم نعيم يشعر به المرء في هذه الدنيا، كما في صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا، والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا، والله يا رب، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط.

فاحذورا المعاصي، وبادروا بالتوبة قبل أن يتخطفكم الموت، ويحال بينكم وبين التوبة، واعلموا أنكم إذا تبتم فإن الله لن يضيعكم، فقد قال تعالى: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ {سورة الطلاق:2-3} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت