فهرس الكتاب
قوله عن الحربي"هو من ينتمي لدولة في حالة حرب مع الدولة الإسلامية"، هذا ليس شرطا في اعتباره حربيا لأنه - أي الحربي - صار حربيا لعلة كفره وامتناعه من التذمم للمسلمين، وعلى هذا لا يشترط أن تكون الحرب قائمة بين الحربيين والمسلمين.
فقد قال عبد القادر بن عبد العزيز حفظه الله عن دار الحرب: (وهي التي ليس بينها وبين دار الإسلام صلح أو هدنة، ولا يشترط قيام الحرب فعليا لصحة هذه التسمية، بل يكفي عدم وجود صلح كما ذكرنا، بما يعني أنه يجوز للمسلمين قتال أهل هذه الديار وقتما شاءوا، ومن هنا سميت دار حرب) [27] .
وقال ابن تيمية عليه رحمة الله: (إذا أسر الرجل منهم - أي من الكفار - في القتال أو غير القتال، مثل أن تلقيه السفينة إلينا، أو يضل الطريق، أو يؤخذ بحيلة، فإنه يفعل فيه الإمام الأصلح؛ من قتله أو استعباده أو المن عليه أو مفاداته بمال أو نفس، عند أكثر الفقهاء، كما دل عليه الكتاب والسنة) [28] .
[26] التشريع الجنائي: 1/533 - 534.
[27] الجامع في طلب العلم الشريف: 2/645.
[28] المجموع: 28/355.
حكم دماء الكفار وذكر شروط الجهاد
[الكاتب: أحمد بن حمود الخالدي]
1)فإن الأصل أن دمّ الآدمي معصوم وكان دم الكافر في أول الإسلام معصومًا بالعصمة الأصلية وبمنع الله المؤمنين من قتله قال تعالى: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} .
ولقوله صلى الله عليه وسلم: (لم أُؤْمر بالقتل بعد) وكدم القبطي الذي قتله موسى عليه السلام ودم الكفار الذين لم تبلغهم الدعوة في زماننا فإن موسى عليه السلام عدّ ذلك ذنبًا في الدنيا والآخرة ولأن بلوغ الدعوة استتابة عامة من كل كفر، وإنا لا نجيز قتل كافر حتى نستتيبه فإن قتل من لم تبلغه الدعوة غير جائز لقوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} وهذا معنى الإستتابة.
فإن جهاد الكفار يجب أن يكون مسبوقًا بدعوتهم إِذْ لاعذاب إلا على من بلغته الرسالة لحديث بريدة الطويل الذي أخرجه مسلم بعدما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بغزو الكفار فقال: (فإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال - إلى أن قال - ثم ادعهم إلى الإسلام) ونحن إذا لقينا عدونا دعوناه إلى الإسلام فإن أبى فالجزية فإن أبى استعنا بالله وقاتلناه لحديث بريدة المتقدم.
وأما إذا إستفاضت الدعوة وعلم بها القاصي والداني وتحققنا ذلك أخذناهم على كل حال فقد: (أغار النبي صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارّون فقتل مقاتلتهم، وسبى نساءهم وذراريهم) أخرجاه من حديث ابن عمر.
وهذا لا يكون إلا بعد المفاصلة التامة بين الحزبين والتميز بين الدارين دار الكفر ودار الإسلام وإلا امتنع قتالهم لقوله تعالى: {إن الذين ءامنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله...} .
وقال ابن القيم في الزاد أثناء كلامه على مراتب الجهاد: (لايتم الجهاد إلا بالهجرة ولاالجهاد والهجرة إلا بالإيمان) وأما اشتراط المفاصلة فلمنع الله المؤمنين من قتال أهل مكة لأنّ ثمة مانعٌ يمنع من القتال وهو وجود رجال ونساء من أهل الإيمان بين أظهر المشركين وليسوا متميزين بمحلة أو مكان لايمكن أن ينالهم أذى، فلذا قال تعالى: {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم - إلى أن قال - لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابًا أليمًا} فعلل بعدم التزايل الذي هو معنى التميز والمفاصلة فتنبه لهذا الأصل فقد ضل بسبب عدم اعتباره خلق كثير في مسألة قتال الكفار وجهادهم.
وأيضًا قوله تعالى: {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} فبين أن من آمن لم يمكنه الجهاد إلا بعد الهجرة وأيضًا تنبه لقوله {معكم} بعدما هاجر فرتب الله الجهاد على الهجرة ترتيبًا محكمًا وأيضًا قوله تعالى: {يوم التقى الجمعان} وقوله: {إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى} والآيات في ذلك أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر وهي واضحة لمن تأملها جدًا [34] .
[34] الصارم المسلول (104) ، والصفدية (317-323) ، الصارم المسلول (21 3،223،325) .، راجع شرح (باب ما جاء في:الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله) من كتاب التوحيد، مجموع الفتاوى (9/280،245، 252، 253) ، زاد المعاد لابن القيم (3/50،71، 108، 160 - 3/11) ، الدرر السنية (8/ 240، 241 - 9 /253) .
[الكاتب: أحمد بن حمود الخالدي]
إذًا فالدار تنقسم إلى دارين لاثالث لهما:
أ) دار كفر: كحال مكة قبل البعثة وبعدها قال تعالى: {القرية الظالم أهلها} وقوله تعالى {: سأريكم دار الفاسقين}
ب) ودار الإسلام: كالمدينة بعد الهجرة فإن الهجرة كانت واجبة من مكة إلى المدينة قال تعالى: {والذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم} حتى فتحت مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لاهجرة بعد الفتح) متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.