فهرس الكتاب
وقد رأينا سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام فرقت بين النوعين فقبل توبة جماعة من المرتدين، ثم إنه أمر بقتل صبابة يوم الفتح من غير استتابة لما ضم إلى ردته قتل المسلم وأخذ المال ولم يتب قبل القدرة عليه، وأمر بقتل العرنيين لما ضموا إلى ردتهم نحوًا من ذلك، وكذلك أمر بقتل ابن خَطَل لما ضم إلى ردته السب وقتل المسلم وأمر بقتل ابن أبي سرح لما ضم إلى ردته الطعن عليه والافتراء؛ وإذا كان الكتاب والسنة قد حكما في المرتدين بحكمين، ورأينا أن من ضرّ وآذى بالردة أذى يوجب القتل لم يسقط عنه القتل إذا تاب بعد القدرة عليه، وإن تاب مطلقًا، دون من بدّل دينه فقط، لم يصح القول بقبول توبة المرتد مطلقًا، وكان الساب من القسم الذي لا يجب أن تقبل توبته… ولأن المرتد المجرد إنما نقتله لمقامه على التبديل، فإن عاود الدين الحق زال المبيح لدمه كما يزول المبيح لدم الكافر الأصلي بإسلامه، وهذا الساب أتى من الأذى لله ورسوله… بما أتى به وهو لا يقتل لمقامه عليه، فإن ذلك ممتنع، فصار قتله كقتل المحارب باليد.
وبالجملة فمن كانت ردته محاربة لله ورسوله بيد أو لسان فقد دلت السنة المفسرة للكتاب أنه من كفر كفرًا مزيدًا لا تقبل توبته منه.
الوجه الثالث: أن الردة قد تتجرد عن السب والشتم، فلا تتضمنه، ولا تستلزمه، كما تتجرد عن قتل المسلمين وأخذ أموالهم، إذ السب والشتم إفراط في العداوة، وإبلاغ في المحادة مصدره شدّة سفه الكافر، وحرصه على فساد الدين وإضرار أهله…).
إلى قوله ص (370) : (والغرض هنا أنه كما أن الردة تتجرد عن السب، فكذلك قد تتجرد عن قصد تبديل الدين وإرادة التكذيب بالرسالة، كما تجرد كفر إبليس عن قصد التكذيب بالربوبية، وإن كان عدم هذا القصد لا ينفعه، كما لا ينفع من قال الكفر، أن لا يقصد أن يكفر…) .
إلى قوله ص (371) : (وحاصل هذا الوجه أن عصمة دم هذا(6) بالتوبة قياسًا على المرتد متعذر لوجود الفرق المؤثر، فيكون المرتد المنتقل إلى دين آخر، ومن أتى من القول بما يضر المسلمين ويؤذي الله ورسوله وهو موجب للكفر على نوعين تحت جنس الكافر بعد إسلامه، وقد شرعت التوبة في حق الأول فلا يلزم شرع التوبة في حق الثاني، لوجود الفارق من حيث الإضرار، ومن حيث أن مفسدته لا تزول بقبول التوبة) أهـ.
والخلاصة: أنه كما يجب التفريق بين الكفار الممتنع وغير الممتنع في وجوب استتابة الأخير دون الأول.
فكذلك يجب التنبه إلى الفرق بين الردة المجردة والردة المزيدة المغلظة، في وجوب استتابة من كانت ردته مجردة ، وعصمته وحقن دمه برجوعه إلى الإسلام، وعدم وجوب ذلك فيمن غلّظ الردة، وحتى لو تاب ورجع إلى الإسلام قبل قتله لم يحقن ذلك دمه ولم يرفع عنه القتل، لتعلق القتل بأمور مزيدة على الردة وتبديل الدين، كشتم الرسول وقتل المسلم وزنا المحصن ونحو ذلك من الحدود التي لا تسقط بالتوبة لتعلق حقوق العباد بها، وهذا مما يخالف به المرتد الكافر الأصلي كما بين شيخ الإسلام في مواضع أخرى من الصارم.
ومنه تعرف الفرق أيضًا بين القتل ردة والقتل حدًا، فالثاني تجري عليه أحكام المسلمين بعد قتله فيغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين ويورث ماله لأهله، بخلاف الأول فإنه تجري عليه أحكام الكفار.
(1) وفرق شيخ الإسلام في الصارم المسلول في هذا بني الردة المجردة والردة المغلظة، فذهب إلى عدم استتابة من ارتد ردة مغلظة وكفرًا مزيدًا وسيأتي.
(2) انظر المغني (كتاب المرتد) (فصل: ولا يحكم بزوال ملك المرتد بمجرد ردته…) .
(3) انظر المرجع السابق.
(4) واضح أن معنى عدم قبول توبته؛ أي أن توبته لا تحقن دمه. ولا تسقط عنه القتل ومن ثم فلا تشترط استتابة من كانت ردته مغلظة مزيدة، أما رجوعه إلى الإسلام إن رجع فلا يمنعه منه أحد، وكذا قبول توبته عند الله إن تاب فلا يقدر على حجرها عنه أحد، كما بين شيخ الإسلام في مواضع من الصارم، وستأتي الإشارة إليه من كلامه في هذا الموضع. ومن ثم فمن أظهر ذلك قبل قتله لم يقتل ردة، بل قتل حدًا على ما غلظه وزاده في ردته من سب للرسول صلى الله عليه وسلم أو قتل معصوم أو نحوه.
(5) أي أنها تشمل أحكام الدنيا التي يتكلم فيها الشيخ وأحكام الآخرة التي ذكرها المفسرون في معنى عدم قبول توبة من مات على ردته، أو من تاب عند الغرغرة.
(6) أي الساب للرسول صلى الله عليه وسلم، والمرتد مزيدة مغلظة.
[الكاتب: حمود بن عقلاء الشعيبي]
الإخوة الليبيين (...) حفظهم الله تعالى:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فقد اطلعت على رسالتكم الطويلة الموجهة إلينا، التي تذكرون فيها حالتكم وما تعانونه من الملاحقة والمطاردة وعدم الأمن في بلادكم ولا في البلاد الأخرى، وقد يُلجئكم ذلك إلى أخذ الجنسية البريطانية لكي تأمنوا بذلك في تلك البلاد وفي غيرها من البلاد إذا سافرتم باعتباركم من حاملي الجنسية البريطانية فلا تتعرضون لأذى، وتسألون عن حكم ذلك؟ ثم ذيلتم رسالتكم بعدة أسئلة تطلبون الإجابة عنها؟