أحدها: من تجب عليه، وهو من يقدر عليها، ولا يمكنه إظهار دينه، ولا تمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار، فهذا تجب عليه الهجرة، لقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [النساء:97] . وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب، ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الثاني: من لا هجرة عليه، وهو من يعجز عنها، إما لمرض، أو إكراه على الإقامة، أو ضعف من النساء والوالدان وشبههم، فهذا لا هجرة عليه، لقول الله تعالى: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) [النساء:98-99] . ولا توصف باستحباب لأنها غير مقدور عليها.
والثالث: من تستحب له، ولا تجب عليه، وهو من يقدر عليها، لكنه يتمكن من إظهار دينه، وإقامته في دار الكفر، فتستحب له، ليتمكن من جهادهم، وتكثير المسلمين، ومعونتهم، ويتخلص من تكثير الكفار، ومخالطتهم، ورؤية المنكر بينهم، ولا تجب عليه، لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة، وقد كان العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم مقيمًا بمكة مع إسلامه، وروينا: أن نعيم النحام، حين أراد أن يهاجر، جاءه قومه بنو عدي، فقالوا له: أقم عندنا، وأنت على دينك، ونحن نمنعك ممن يريد أذاك، واكفنا ما كنت تكفينا، وكان يقوم بيتامى بني عدي وأراملهم، فتخلف عن الهجرة مدة، ثم هاجر بعد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"قومك كانوا خيرًا لك من قومي لي، قومي أخرجوني، وأرادوا قتلي، وقومك حفظوك ومنعوك"، فقال: يا رسول الله: بل قومك أخرجوك إلى طاعة الله، وجهاد عدوه، وقومي ثبطوني عن الهجرة، وطاعة الله، أو نحو هذا القول"."
وعلى ما تقدم، فإن المسلم الذي يأمن على نفسه وماله وأهله، ولا يخشى عليه، ولا عليهم من الوقوع في المنكرات، ويستطيع إقامة شعائر دينه في بلد من البلدان غير الإسلامية لا تجب عليه الهجرة من هذا البلد، ولكن يستحب له استحبابًا مؤكدًا أن يهاجر إلى بلاد المسلمين للإقامة بينهم، فإن النعم التي يحصلها المؤمن بالسكن في بلاد المسلمين لا يمكن حصرها، ومنها: نعمة صلاة الجماعة، ونعمة سماع الأذان، ورؤية الصالحين من المسلمين، وقلة المنكرات، وكثرة الخير والمعروف، وغير ذلك من المنافع والمصالح التي تعود على المرء بصلاحه واستقامته.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم:"أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"، فمحمول على من لم يأمن على دينه.
أما انتقال المسلم من بلد غير إسلامي إلى بلد غير إسلامي آخر، فإن بلاد الكفر غير الحربية تتساوى في الحكم المتقدم، فلا بأس بانتقال المسلم من بلد منها إلى بلد آخر، خصوصًا إذا كانت هناك مصلحة شرعية معتبرة من طلب علم، أو دعوة إلى الله سبحانه وتعالى، أو التعاون على البر والتقوى.
والله تعالى أعلم.
رقم الفتوى:1411تاريخ الفتوى:16 صفر 1420السؤال: ما هو الحكم الشرعي في إقامة دولة الخلافة الإسلامية لتطبيق شرع الله في الأرض والعمل لاستئناف الحياة الإسلامية وتطبيق الأحكام الشرعية ونشر الإسلام في كافة أرجاء المعمورة.
الفتوى: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد: