فهرس الكتاب

الصفحة 1656 من 1664

وإذا جاز للمسلم أن يتوظف في حكومة كافرة، ويطبق من أنظمة الدولة ما يوافق شرع الله، كما كان من تولي نبي الله يوسف -عليه السلام- وظيفة المالية والخزانة لفرعون مصر قال تعالى:"قال اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ" [يوسف: من الآية55] ، فإن أخذ الجنسية من الدولة الكافرة أهون من هذا، ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية (السابق لعصره) حيث يقول في مجموع الفتاوى (30/55) : (الولاية وإن كانت جائزة أو مستحبة أو واجبة فقد يكون في حق الرجل المعين غيرها أوجب أو أحب، فيقدم حينئذ خير الخيرين وجوبًا تارة واستحبابًا أخرى، ومن هذا الباب تولي يوسف الصديق - عليه السلام -على خزائن الأرض لملك مصر، بل ومسألته له أن يجعله على خزائن الأرض، وكان هو وقومه كفارًا، كما قال تعالى:"وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ" [غافر: من الآية34] ، وقال تعالى عنه:"يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ" [يوسف: 39-40] ، ومعلوم أنه مع كفرهم لا بد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته وجنده ورعيته، ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم، ولم يكن يوسف - عليه السلام- يمكنه أن يفعل كل ما يريد وهو ما يراه من دين الله، فإن القوم لم يستجيبوا له، لكن فعل الممكن من العدل والإحسان، ونال يوسف - عليه السلام- بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته، وهم مسلمون، بل وفيهم أبوه نبي الله يعقوب - عليه السلام- ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك، وهذا كله داخل في قوله تعالى:"فاتقوا الله ما استطعتم" [التغابن: 16] ا.هـ.

واستنباطًا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية هذا نقول: إذا كان نبي الله يوسف - عليه السلام- لم يستطع أن يفعل كل ما يريده فيمنع فرعون وجنده، وحاشيته من استئثارهم بالمال العام وتبذيره وحفظه لصالح الأمة، مع أنه -عليه السلام- هو المشرف والمتولي للخزانة العامة لدولة فرعون، وإنما فعل يوسف - عليه السلام- من العدل والإحسان ما تمكن منه وقدر عليه، إذا كان هذا جائزًا في حق يوسف -عليه السلام- وهو نبي يوحى إليه، فإنه في حق غيره من البشر أولى، ومنهم المتجنس بجنسية الكفار اضطرارًا، فإن عليه أن يفعل الممكن من العدل والإحسان، وأخيرًا ولو كان قليلًا مما اشتملت عليه أنظمة تلك البلاد وقوانينها وإظهار شعائر دينه من صلاة وصيام، وخلاصة الجواب: أن ما تفعله بعض المكاتب التجارية من اليانصيب للاقتراع للحصول على الجنسية الأمريكية أعتقد أنه مزايدة تجارية، ولا يمكن لدولة أن تجعل أنظمتها كالتجنس بأيدي تجار يزيدون عليها، ولو فرض وقوعه في دولة من الدول لامتنع في أمريكا، وبالأخص بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي غيرت مجرى التاريخ أو كادت، والتجنس بالجنسية الأمريكية أو غيرها جائز إذا توفرت في طالبها الشروط السابق ذكرها. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.

المجيب ... د. أحمد بن محمد الخضيري

عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإٌسلامية

التصنيف ... الفهرسة/ الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار

التاريخ ... 22/5/1424هـ

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا مسلم محافظ أدرس في الولايات الأمريكية مبتعث لأدرس تخصصا مهمًا فهو أحدث من الموجود في بلادنا، إضافة إلى أنه مهم ونادر, والجميع يعلم أن زعماء أولئك القوم -الذين أنا مقيم عندهم- قاموا بالاعتداء ورفع راية الحرب على إخواننا المسلمين في بلاد دجلة والفرات. ولست أرضى ذلك، الحمد لله لم يبق لي إلا ثلاثة أشهر أو أقل بإذن الله -تعالى- على التخرج الذي تلزمني به الجهة الباعثة، حيث إنني استطعت -ولله الحمد والمنة- التحصيل الأساسي والكافي الذي ينفعنا دينًا ودنيا بإذن الله تعالى، السؤال هو: هل يجوز بقائي واستمراري في هذه الظروف العصيبة? إنما أردت أن أراجع وأطمئن لقول وتوصيات أهل الذكر. وجزاكم الله خيرًا.

الجواب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت