فهرس الكتاب
وأما إذا كان المسلم لا يأمن الفتنة على دينه أو كان غير قادر على إقامة شعائر الإسلام، فإن إقامته حينئذ بين الكفار معصية من المعاصي، والمعاصي إذا كانت من موحد لا تخلد صاحبها في النار، ولا تمنع شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة لحديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. رواه أبو داود والترمذي وصححه هو وابن حبان والحاكم والذهبي والألباني وغيرهم.
ولحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة, فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا. رواه مسلم في صحيحه.
ولكن لا يجوز أن يفهم من هذا الكلام التهوين من شأن المعاصي، اتكالًا على ثبوت شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وسعة عفو الله تعالى وفضله ورحمته، فإن الله تعالى كما أنه غفور رحيم، فإنه كذلك شديد العقاب، شديد الغيرة على محارمه, وقد جاءت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تتوعد من انتهك حرمات الله تعالى بالعذاب الأليم يوم القيامة. والواجب على المسلم أن لا يغلب جانب ما جاء من نصوص الوعد في القرآن والحديث على ما جاء فيهما من الوعيد، لئلا يفضي به ذلك إلى ارتكاب ما حرمه الله تعالى، وإلى أمن مكره عز وجل، وقد قال الله تعالى: أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ {الأعراف:99} ، والمقيم في بلاد الكفار إذا كان غير آمن على دينه، قد يتعرض للفتنة في عقيدته، وقد يؤدي ذلك إلى انعدام الإيمان والردة عن الدين بالكلية نسأل الله السلامة والعافية، فيموت على الكفر، فلا تنفعه شفاعة الشافعين، بل يدخل النار خالدًا مخلدًا فيها والعياذ بالله.
وعليه فإن كان الذي يريد أن يحسن من وضعه المادي بالإقامة في بلاد الكفار قادرًا على إقامة شعائر دينه وعنده من العلم ما يدفع به الشبهات التي قد ترد عليه, ومن التقوى ما يدفع به الشهوات، من كان هذا حاله جاز له البقاء في دار الكفر، سواء للعمل أو لغيره، ومن لم يأمن على دينه لم يجز له البقاء هناك، وللمزيد من التفصيل والفائدة حول حكم الإقامة في بلاد غير المسلمين، راجع في ذلك الفتوى رقم: 2007.
والله أعلم.
رقم الفتوى:73749تاريخ الفتوى:26 ربيع الأول 1427السؤال:
سؤالي لا أعرف ماذا ستردون علي ولكن أريد أن تتيحوا لي الفرصة.
أنا وكثير من أمثالي في تونس نشتكي ونعاني من الاضطهاد والظلم وكثرة البدع والمنكرات وعدم وجود بنوك إسلامية و ووووو
ليس لدينا علماء يدلونا وعندما نطلب فتوى نجد الرد وفقا لواقع المفتي وليس وفقا لواقعنا، نريد حلا، نريد حلا نريد حلا، لا تقولوا لي صبرا أعرف ذلك ,لا تقولوا لي الهجرة لأنها مستحيلة مع عدم وجود موارد مالية.
أريد حلا؟ إني متعب متعب جدا جدا.
الفتوى:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فعلى المؤمن أن يصبر ويتمسك بدينه ويعض عليه بالنواجذ حتى يأتي أمر الله بالنصر للمسلمين. فهذا الذي ذكرت هو الزمان الذي وصف النبي صلى الله عليه وسلم كثرة الفتن فيه، وشدة ابتلاء المؤمن بدينه فيه، ففي سنن الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر. وفي المسند عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل للعرب من شر قد اقترب، فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، يبيع قوم دينهم بعرض من الدنيا قليل، المتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر. وقال صلى الله عليه وسلم: إن من ورائكم أيام الصبر، للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم، قالوا: يا نبي الله أو منهم، قال: بل منكم. رواه الطبراني، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة. وقال صلى الله عليه وسلم: العبادة في الهرج كهجرة إلي. رواه مسلم. قال الإمام النووي: المراد بالهرج هنا: الفتنة واختلاط أمور الناس. وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها، ويشتغلون عنها، ولا يتفرغ لها إلا أفراد. انتهى.
فعليك أيها الأخ أن تعي هذه الحقيقة وتعلم هذه السنة الإلهية وتتقي الله تعالى ما استطعت وتهتدي بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما عجزت عن تطبيقه من ذلك عمليا عجزا حقيقيا فإنك غير مؤاخد به عند الله تعالى إذا كان ميلك حقيقة هو إلى ما يحب الله ورسوله. قال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا {التغابن:16} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ... وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم. متفق عليه.
ونسأل الله أن يعينكم على التمسك بدينكم ويثبتكم ويهديكم صراطه المستقيم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله أعلم.
رقم الفتوى:74500تاريخ الفتوى:22 ربيع الثاني 1427السؤال: