فهرس الكتاب

الصفحة 1384 من 1664

قال ابن القيم:"ولو علم ملوك الإسلام بخيانة النصارى الكتاب، ومكاتبتهم الفرنج أعداء الإسلام، وتمنيهم أن يستأصلوا الإسلام وأهله، وسعيهم في ذلك بجهد الإمكان، لَثَنَاهُمْ ذلك عن تقريِبهم وتقليدهم الأعمال، وهذا الملك الصالح أيوب كان في دولته نصراني يسمى محاضر الدولة أبا الفضائل بن دخان، ولم يكن في المباشرين أمكَنُ منه، وكان المذكور قذاةً في عين الإسلام، وبثرة في وجه الدين، ومثالبُه في الصحف مسطورة، ومخازيه مخلدة مذكورة، حتى بلغ من أمره أنه وقع لرجل نصراني أسلم برده إلى دين النصرانية، وخروجه من الملة الإسلامية، ولم يزل يكاتب الفرنج بأخبار المسلمين وأعمالهم وأمر الدولة وتفاصيل أحوالهم، وكان مجلسه معمورًا برسل الفرنج والنصارى، وهم مكرمون لديه، وحوائجهم مقضية عنده، ويحل لهم الأدرار والضيافات وأكابر المسلمين محجوبون على الباب لا يؤذن لهم، وإذا دخلوا لم ينصفوا في التحية ولا في الكلام، فاجتمع به بعض أكابر الكتاب فلامه على ذلك وحذره من سوء عاقبة صنعه، فلم يزده ذلك إلا تمردًا" [16]

وفي حوادث سنة سبعمائة وسبع وستين عندما هاجم الفرنج الإسكندرية وقت الضحى من يوم الجمعة، دخل ملك قبرص - واسمه ربير بطرس بن ريوك - وشق المدينة وهو راكب، فاستلم الفرنجُ الناسَ بالسيف، ونهبوا ما وجدوه من صامت وناطق، وأسروا وسبوا خلائق كثيرة، وأحرقوا عدة أماكن، وهلك في الزحام، بباب رشيد، ما لا يقع عليه حصر، فأعلن الفرنج بدينهم، وانضم إليهم من كان بالثغر من النصارى، ودلوهم على دور الأغنياء، فأخذوا ما فيها، واستمروا كذلك، يقتلون، ويأسرون، ويسبون، وينهبون، ويحرقون، من ضحوة نهار الجمعة إلى بكر نهار الأحد، فرفعوا السيف، وخرجوا بالأسرى والغنايم إلى مراكبهم، وأقاموا بها إلى يوم الخميس ثامن عشرينه، ثم أقلعوا، ومعهم خمسة آلاف أسير" [17] ."

وعندما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر تطاولت النصارى من القبط والنصارى الشوام على المسلمين بالسب والضرب، ونالوا منهم أغراضهم وأظهروا حقدهم، ولم يبقوا للصلح مكانًا، وصرحوا بانقضاء ملة المسلمين وأيام الموحدين [18] .

وعندما سافر عسكر الفرنساوية إلى جهة الصعيد صحبهم يعقوب القبطي ليعرفهم الأمور ويطلعهم على المخباءات، ولما تظاهر يعقوب القبطي مع الفرنساوية وجعلوه ساري عسكر القبطة، جمع شبان القبط وحلق لحاهم، وزياهم بزي مشابه لعسكر الفرنساوية والوقائع في ذلك كثيرة وهذه مجرد أمثلة.

وهكذا تثبت وقائع التاريخ المتعددة على اختلاف ما بينها من الزمان والمكان ما جاء في كتاب ربنا العليم الحكيم وهو مصداق لقوله تعالى:"سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ"فقد بينت هذه الوقائع التي أوردناها ما ذكرته الآيات من كراهية الكفار للمسلمين وحقدهم عليهم وإرادة السوء بهم، اللهم بمنك وكرمك وقدرتك نجنا منهم ومن شرهم وممن مكن لهم وأعانهم

[1] الأحكام السلطانية ص28-29

[2] انظر أحكام أهل الذمة لابن القيم 1/456-478، تحطيم الصنم العلماني ص108-110

[3] غياث الأمم في التياث الظلم ص 114-116

[4] أخرجه البخاري كتاب الصلاة رقم 323

[5] أخرجه النسلئي كتاب تحريم الدم رقم 3967 وأخرجه أحمد بنحوه رقم 12643

[6] أبو داود كتاب الجهاد رقم2641

[7] تفسير ابن جرير الطبري 7/145-147

[8] يحفظون سره ولا يخفون عنه شيئا

[9] أحكام أهل الذمة 1/498

[10] إتحاف الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء للمقريزي

[11] إشارة منه إلى الوزير اليهودي

[12] تاريخ الأدب الأنداسي إحسان عباس 1/148

[13] الإحاطة في أخبار غرناطة

[14] السلوك لمعرفة دول الملوك

[15] انظر في تفاصيل ذلك السلوك لمعرفة دول الملوك

[16] أحكام أهل الذمة 1/499

[17] انظر في تفاصيل ذلك السلوك لمعرفة دول الملوك

[18] انظر عجائب الآثار للجبرتي

د. سعد بن مطر العتيبي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله، أما بعد ..

فقد اقترح عدد من الأفاضل في موقع المسلم وغيره ، وضع مقالات في السياسة الشرعية: مدلولًا ومضمونًا ، مع شواهد شرعية وتطبيقات عصرية ، للإفادة منها علمًا وعملًا بعون الله وتوفيقه ؛ وذلك لما لفقه السياسة الشرعية من أهميَّة علميّة في صحة الاستنباط ، وضمان وسطيَّة المنهج ، والقدرة على استشراف مستقبل العمل الإسلامي ، حكوميًا كان أو أهليًا ، وما يترتب على الإفادة من كل ذلك في مصلحة الإسلام والأمة الإسلامية ..

وتحقيقُ هذا الاقتراح ، أمرٌ كان يتردّد في نفسي ، لما لا يَخفى من نقصٍ في إظهار هذا العلم ونشره ، مع أهميته وخطورةِ آثار استبعاده في الحياة الإسلامية العلميّة ثم العملية ، وكنت أطمح أن يكفيني خطورة الحديث فيه - على نحو ميسر - بعض أساتذة السياسة الشرعية الكبار ، ولكن يبدو أن لكل جيلٍ وسيلته ، كما أنَّ على كلٍ واجبه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت