فهرس الكتاب
( هذه النظرة الديمقراطية لا تصلح في مجتمع إسلامي قائم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فالعلمانية من أحكام الكفر سواء ما أطلقوا عليها المتصالحة مع الدين أو غير المتصالحة . والشيوعية تؤمن بأن الكون والإنسان والحياة مادة فلا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار؛ فالإيمان يها كفر بالله ، والسماح للحزب الشيوعي بالدعوة إلى ما يدعو إليه كفر بالله . وإقرار الأفراد من مفكرين سياسيين ، أو حزبيين إسلاميين بجواز قيام أحزاب مخالفة للشريعة الإسلامية لا يجعل وجود مثل تلك الأحزاب أمرًا جائزًا في الدولة الإسلامية ، لأن الأمر الذي يعول عليه في الحكم على ما يخالف الشرع أو يوافقه إنما هو أحكام الشرع المعالجة للواقع وليس أقوال الرجال ) .
( المرجع: كتاب"نقض الجذور الفكرية للديمقراطية الغربية - مواضع متفرقة منه - ) ."
د. سعد بن مطر العتيبي
المقالة الثانية:
مجالات السِّيَاسة الشَّرعيَّة من حيث مسائلها لا تخرج في إطارها العام عن الجوانب العملية التي تقبل التَّغَيّر لبنائها على مناط متغيِّر يتغيَّر الحكم الشرعي لمسألته تبعًا لتغيِّر المناط .
وعليه ، فلا يدخل في مجالات إعمال السياسة الشرعية ما يُعرف بالثوابت في ذاتها ، التي منها ما يتعلق بالمكلفين من الأحكام العقدية ، كالإيمان بالله ووحدانيته والإيمان بالرسل صلوات الله وسلامه عليهم وتصديقهم ، والإيمان بالكتب والملائكة ، والإيمان باليوم الآخر ، وبالقدر خيره وشرِّه ، وتحريم الشرك ، وتحريم موالاة الكفَّار ؛ فهذه وأمثالها ثوابت في الدِّين لا يمكن أن تتغير ، وكذا"الأحكام الشرعية التي تتضمن قواعد هذا الدِّين وأسسه ، والأحكام المعلومة من الدين بالضرورة ، والأحكام التي تحث على الأخلاق والفضائل ، بل وجميع الأحكام الشرعية العملية التي لم تُبن على العرف أو المصلحة أو التي لم تُناط بعلة أو التي لم تصحبها ضرورة ؛ فإنَّها ثابتة ولا يصح جعلها محلّ نظر وتغيير" (2) .
و الجوانب العملية في الشرعيات ليست على إطلاقها ، بل هي من الأمور المتشعِّبة المتشابكة التي تتطلب استقراءً لمسائلها ليصدق ضبطها ضبطا دقيقا يقرِّب فقه السياسة الشرعية فيها لطالب العالم تقريبًا يعينه في تطبيقها ؛ وإنما هذه خطوط عريضة في بيان مجالات السياسة الشرعية من حيث المسائل والأحكام ، مع شيءٍ من ضبط هذه المجالات ؛ فيُقال:
المسائل الفقهية من حيث دخولها تحت السياسة الشرعية بمدلولها الخاص ، وعدمه ، تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما لا يختص به أولو الأمر ، وليس داخلًا في تدبيرهم بالولاية .
ومجال هذا القسم: الأحكام التي أنيطت وربطت بأسبابٍ متى وُجِدَت وُجِدَت هذه الأحكام ، دون تعلق بالولاية ، فهذا القسم ليس مختصًّا بأولي الأمر ؛ إذ إنَّه يتبع سببه الشرعي (3) ، فمتى وُجِدَ السبب وُجِدَ الحكم ، كإقام الصلاة ، وإيتاء ما يجب في الأموال من زكاة . ويتجلَّى هذا الأصل في عامَّة المسائل التي توصف بالثوابت كالعبادات ، وأصول الأخلاق والآداب الشرعيَّة وما في معناها .
وهذا القسم ليس داخلا في السياسة الشرعية بمدلولها الخاص ، التي هي من تدبير أولي الأمر وتصرفاتهم المنوطة بالمصلحة الشرعية .
تنبيه:
لا يدخل في هذا القسم ما يتعلق بإطلاق ولي الأمر الشرعي ( قاضيا شرعيا أو مفتيًا خبيرا ) وصفًا عقديًا يترتب عليه أحكام عملية للموصوف به في ذاته أو في علاقته بغيره أو علاقة غيره به ، فقد يوجد فيها جوانب عملية تتطلب حكمًا شرعيًا سياسيًا ، ومنها ما يعرف اليوم بأسس التعايش السلمي في المجتمعات وكذلك ما يناقضه ، ولعله يتضح بالمثال في حينه إن شاء الله تعالى ، وإنما أشرت إليه هنا لأهمية استحضاره .
القسم الثاني: ما كان موكولًا إلى تدبير أولي الأمر .
ويتجلَّى هذا القسم في المسائل التي تتوفر فيها الأسباب والأوصاف التالية ، أو بعضها (4) :
1)أن تكون هذه المسائل مما يحتاج إلى نظر وتحرير ، وبَذْل جُهدٍ من عالم بصير ، حَكمٍ عَدْلٍ ، في تحقيق أسبابها ، ومقدار مسبَّباتها ؛ كالتعزيرات ؛ فإنَّها تفتقر إلى تحرير في مقدار الجناية وحال المجني عليه ، حتى تقع المؤاخذةُ على وفق ذلك من غير حيف ؛ وهكذا جميع ما وُكِلَ تقديره إلى اجتهاد الأئمة والحكَّام ، ومن في حكمهم .