فهرس الكتاب
2)أن تكون مما يفضي تفويضه لجميع الناس إلى الفتن و الشحناء ، والقتل والقتال ، وفساد النفس والمال ؛ كإقامة الحدود ، فمع"أنَّها منضبطة في أنفسها ، لا تفتقر إلى تحرير مقاديرها ، غير أنَّها لو فُوِّضت لجميع الناس ، فبادر العامة لجلد الزناة ، وقطع العُداة بالسرقة وغيرها ، اشتدَّت الحَمِيَّات ، وثارت الأَنَفَات ، وغَضِبَ ذوو المُروءات ، فانتشرت الفِتَنُ ، وعَظُمت الإحَنُ ؛ فحسم الشرعُ هذه المادَّة وفَوَّض هذه الأُمورَ لولاةِ الأمور ، فأذعن الناس لهم ، وأجابوا طوعًا وكرهًا ، واندفعت تلك المفاسدُ العظيمة" (5) ، وجباية الجزية ، وأخذ الخراج من أرض العنوة وغيرها (6) .
3)أن تكون مما قَوِيَ الخلاف فيه مع تعارض حقوق الله تعالى وحقوق الخلق ؛ أو تقاربت فيه المدارك ، وكان النِّزاع فيه في أمر دنيوي ؛ كالأملاك و الرهون والعقود وغيرها ؛ فهذا مِمَّا يَفْتَقِرُ إلى حُكْمِ الحَاكِم - و إنشاء حكم من هذا القبيل ليس لكل من ولي ولاية ؛ قال العلامة القرافي:"لا خلاف بين العلماء أنَّ ذلك ليس لكلّ أحد ، بل إنَّما يكون ذلك لمن حصل له سبب خاص ، وهو ولاية خاصَّة ، ليس كل الولاية تفيد ذلك"؛ ثم سرد رتب الولايات وبيَّن أحكامها ، وأنَّ من رتب الولايات التي يدخل فيها هذا النوع من الأحكام: الإمامة الكبرى ، وولاية القضاء - (7) ؛ فإذا حكم فيها حُكمًا مما يقبله ذلك المحلُّ تعين فيه ؛ فلم يُنقض ، ولزم الإذعان إليه (8) ؛ لمصلحة الحكم ؛"لأنَّ الأحكام لو نُقِضت بالاجتهاد لَمَا استقرَّ حكم ؛ لأنَّ القضاة لو نقضوا الحكم بالاجتهاد لأدَّى ذلك إلى أن ينقض كلُّ حاكم حكمَ من قبله ، ويفضي ذلك إلى تضرُّر المحكوم له ، والمحكوم عليه ؛ لأنَّه يُنْزَعُ الحق من أحدهما ، ويُعطى الآخر ، ثم يُنزع من الآخر و يُعطاه غريمه ، ويتسلسل ذلك إلى ما لا نهاية له ، ولا يخفى ما فيه من الفساد" (9) ؛ سواء كان ذلك بتغير اجتهاده أو بحكم حاكم آخر ؛ كما يلزم من ذلك اضطراب الأحكام و عدم وثوق الناس بحكم الحاكم ؛ فتفوت المصلحة التي نُصب الحاكم لأجلها ، ولا تُفصل الخصومات (10) .
4)أن تكون مما يُشرع نقضه من تصرفات الولاة والحكَّام ، وهي المسائل التي صدرت عن حكم قضائيٍ مخالفٍ لما يوجِبُ نقضَه ، من نصٍّ أو إجماعٍ أو قياسٍ (11) ؛ أو التي لم تصدر عن حكم قضائيٍ ، ويسوغ لغيرهم من الولاة والحكام النظر فيها ونقضها أو تغييرها ؛ للمصلحة الشرعية ، لا لمجرد التشهي والغرض ، ومن أمثلة ذلك (12) :
-تولية النوَّاب في الأحكام ، و تأمير الأمراء على الجيوش والسرايا وغير ذلك من الولايات .
-و الصرف من بيت المال وتقدير مقاديره في كل عطاء ، في الأرزاق للقضاة والعلماء وأئمة الصلاة ، وفي أجور موظفي الدولة عمومًا .
-وتقدير الخراج على الأرضين ، و ما يؤخذ من التجار الأجانب غير المسلمين .
-واتخاذ الأحمية (13) ، من الأراضي المشتركة بين عامة المسلمين .
-وعقد الصلح بين المسلمين والكفار .
فهذا كلُّه ؛ لمنْ تصرَّف به ولغيرِ مَنْ تَصَرف به أو قرَّره أو عقْده من الولاة أن يعيد النظر في السبب المقتضي لذلك هل يقتضيه فيبقيه ، أو لا فغيره أو ينقضه ويبطله . وهذا كله مقيد بقاعدة: (تصرف الولاة على الرعية منوط بالمصلحة ) ؛"فإنَّ كل من ولي ولاية الخلافة فما دونها إلى الوصية ، لا يحلّ له أن يتصرف ، إلا بجلب مصلحة أو درء مفسدة" (14) . فهذه الأسباب تكاد تكون ضوابط ، لما هو موكولٌ إلى تدبير الحكام و ولاة الأمور ؛ بل ذكر القرافي أنَّ ما اشتمل على أحد الأسباب الثلاثة الأولى ، أو اثنين منها ، صار مفتقرًا للحاكم إجماعًا ؛ فإذا لم يوجد شيءٌ منها تَبِعَ حُكْمُ المسألة سَبَبَهُ الشرعي كالقسم الأول ، حَكَمَ به حاكم أو لا (15) .
والمسائل الفقهية المندرجة تحت هذا القسم - الذي وُكِل تنفيذه إلى أولي الأمر - أنواع ، يأتي بيانها في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى .
والمسائل الفقهية المندرجة تحت هذا القسم - أعني الذي وكل تنفيذه إلى أولي الأمر ، ولا يفتات عليهم فيه غيرهم - أنواع:
النوع الأول:
مسائل شرعت أحكامها ثابتة لازمة ، لا تتغير عن حالة واحدة ؛ فلا تختلف أحكامها باختلاف الأزمنة ولا الأمكنة ، ولا اجتهاد الأئمة .
وهذا النوع ليس داخلا في السياسة الشرعية بمدلولها الخاص ( المتغير ) ؛ إذْ ليس أمام أولي الأمر في هذا النوع سوى الحكم به كما ورد ، واجتهاد أولي الأمر فيه يقتصر على صحة التطبيق ، الذي هو النظر والاجتهاد في معرفة وجود العلة في آحاد الصور و الوقائع ، المعروف بـ ( تحقيق المناط ) (16) .
ويتجلَّى هذا النوع فيما ليس معلَّلًا من الأحكام من العادات والمقدَّرَات ( و ما يدخله تدبير أُولي الأمر منها ، فعلى سبيل التبع والتضمُّن ) (17) ؛ ومنه مقادير الزكاة ، وتعيُّن الحدود المقدرة على الجرائم كما هي ، ونحو ذلك ، ويدخل فيه كثير من الأحكام التي يتعين القضاء بها عند ثبوت أسبابها .