فهرس الكتاب
النوع الثاني: أحكام جزئية ، شرعت أو استنبطت لمسائل يتغير مناط الحكم فيها بحسب اقتضاء المصلحة ، زمانا ومكانا وحالا ؛ سواء كان هذا المناط عُرفًا أو علَّة مُتَغيِّرَة ، أو نحو ذلك ؛ وتتجلَّى مسائل هذا النوع في الأحكام المعلَّلة أو التي تقبل التعليل (18) .
ومسائل هذا النوع مندرجة تحت السياسة الشرعية ؛ وهي على أضرب:
الضرب الأول: مسائل ثبتت أحكامُها بنصٍّ أو إجماع أو قياس أو استدلال معتبر ؛ لكن من شأنها ألا تبقى على حال ؛ ومن ثم يتغير الحكمُ فيها ، تبعا لتغير مناطه من حال إلى حال ، لا تغيرًا في أصل الحكم ؛ بحيث يرى المجتهد أن الحكم تغيَّر في تلك المسائل تبعًا لذلك ؛ فيحكم بحكم يستلزمه هذا التغيُّر ؛ فالحكم الثاني هنا يُسمَّى سياسة شرعية (19) .
وهذا الضرب له صور ، تتعدد بتعدد أسباب تغير الحكم المعتبرة ، و منها:
-تغيَر العرف الذي جاء التشريع موافقًا له . ومنه: إخراج زكاة الفطر في كل بلد من قوت أهلُها ؛ و لا يلزم إخراجها من قوت أهل المدينة النبوية تقيّدًا بما ورد ، من تكليف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهلَ المدينة بإخراجها من: التمر والشعير والأقط والزبيب (20) ؛"لأنَّ هذا كان قوت أهل المدينة ، ولو كان هذا ليس قوتهم بل كانوا يقتاتون غيره ، لم يُكَلِّفهم أن يُخرجوا مما لا يقتاتونه ؛ كما لم يأمر الله عز وجل بذلك في الكفَّارات …" (21) .
وقد تقدم ذكر الكلام في حرمة الفتوى على من لم يعرف حال المستفتي وعرف مجتمعه .
-زوال المصلحة التي جاء الحكم معلَّلًا بها . ومنه: إذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم للناس في ادَّخَارِ لحوم الأضاحي فوق ثلاث ، بعد نهيهم عن ذلك وأمرهم بالتصدق بما بقي ؛ فإنَّه لما كان العام الذي يليه ، ( قالوا: يا رسولَ الله نفْعَلُ كما فعَلْنا العَامَ الْمَاضِي ؟ ) ، قَالَ: (( كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا ) ) (22) ، وفي رواية: (( إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا ) ) (23) ؛ حيث بين أنَّ الحكم الأول قد تغيَّر من المنع إلى الإذن ؛ بزوال علَّة النهي (24) .
-تغير الحال التي قُيِّد الحكم بها . ومنه: الإذن بقتال الكفَّار في العهد المدني ، دون العهد المكي على اختلاف أحواله ، وهكذا الأحكام التي جاء تشريعها على مراحل اقتضاها اختلافُ الأحوال ، لا وجودُ ناسخ ومنسوخ بينها ، فهي من هذا القبيل .
وهو أخطر مجالات السياسة الشرعية فيما ورد فيه أكثر من حكمٍ بدليل نصي جزئي . فنحن نرى العلماء الربانيين الذين يشهد لهم من يعرفهم من الأمة بالصدق والإخلاص والديانة وسعة الأفق الفقهي والتجربة في ميدان العمل الدعوي ، المطلعين على أحوال الأمة - نجدهم يفتون بمشروعية الجهاد بالسنان في مكان وزمان ويمنعونه في آخر موجهين الخيار المناسب من خيارات جهاد القلم والبيان ، ونحن أيضًا نرى العلماء الربانيين يحكمون على قاتلِ كافر بأن له أحكام الشهيد ، وعلى قاتل كافر آخر بأنه عمله يُعدّ من الأعمال التي تجرِّمها الشريعة الإسلامية ويفتون الأمة بدعم المجاهدين والمرابطين في مكان ويحرمون دعم آخرين ويجرِّمون التعاون معهم بأي وسيلة !
وإذا قرأنا كليات الأحكام الإسلامية في هذه المسألة قراءة متكاملة كما هي في أذهان الفقهاء الكبار من السابقين واللاحقين ، فإنا سنجد تسبيبا كافيا في فهم ما قد يظنه بعض الناس تناقضا منهم . وذلك أنَّ أحكام الإسلام التطبيقية تتصف بخصائص عظيمة منها: الواقعية الشرعية .
ولعلّ من المناسب إيراد تطبيق تقعيدي وصفي ، يمكن تنزيله على كثير من قضايا الواقع التي تندرج تحته في كل بلد من البلاد الإسلامية وغيرها ، وذلك في قضية يعد الخطأ في فهمها من أخطر قضايا العصر على أهل الإسلام (25) ، وعرض ذلك بلغة عصرية تُقرٍِّب المراد ، ولا سيما أنّ بعض مسائل هذا الضرب صارت مثار جدلٍ بين فئات جافية التي تلوي أعناق النصوص جهلًا أو تهربًا ، أو لا تقيم لها وزنا وتتستر خلف دعوى تجديد الخطاب الديني في تحريفها أو سوء فهم أصحابها على أحسن حال ؛ وأخرى غالية تجاوزت المشروع بتطبيق النصوص على غير مواردها فأخذت بعضها وأولت الآخر أو ادعت نسخه ، وكلا الفئتين - بغض النظر عن النوايا - قد عانت منها الأمة بعدا عن منهاج ربها ، فجلبت الأولى إلى نفسها وإلى الأمة شقاء البعد عن الله ، وعانت الأخيرة من الشقاء الفقهي وجلبته إلى الأمة ، وقد قال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ) .
وهذا هو موضوع الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى تحت عنوان:
تطبيق السياسة الشرعية على أصل علاقة الدولة الإسلامية بغيرها